مدونة بحكى وبس

ملف الأدب الأفريقي(3)

حزيران 16th, 2007 كتبها amir elbasher نشر في , نقد ادبى

أجينوا أتشيبي ولد عام 1930، في قرية أوقدي في شرق نيجريا، ونشاء أجينوا في أسرة مسيحية، وقد استهل دراسته في مدرسة ابتدائية تابعة للإرسالية، وثم ذهب إلي كلية حكومية في (أماهيا) حيث تعتبر من أفضل المدارس في غرب أفريقيا، وبعدها ألتحق في عام 1948 بكلية أبيدجان الجامعية لدراسة الأدب.
عمل بالتدريس لمدة سنة وثم ذهب للعمل بهيئة الإذاعة النيجرية في لاقوس، وبدءا جينوا الكتابة ونشر قصصه الصغيرة منذ أن كان طالبا بالجامعة.
وبعدها بدءا في كتابة رواية طويلة تحكي عن تجربة ثلاثة أجيال من أسرة واحدة مع الاستعمار، وقد صارت روايته هذه من جزئيين، الجزء الأول صدر عام 1958 بعنوان (تداعي الأشياء) والجزء الثاني صدر عام 1960 بعنوان ( لم يعد هناك شعور بالراحة)، وتبعها براوية بعنوان (سهم الإله) عام 1964.
وفي عام 1966 أحيل جينوا للصالح العام فجأة من عمله بالإذاعة ذلك نتيجة لحرب البيافرا والتعقيدات السياسية التي صاحبتها، وقد نجي بأعجوبة من مواجهة عسكرية مع بعض الجنود المسلحين، والذين كان البعض منهم يعتقد أن روايته الصادرة عام 1966 بعنوان (رجل الشعب) كانت مرتبطة بالانقلاب العسكري الأول بنيجريا. مقالات جينوا ومحاضراته أثارت العديد من الأسئلة وفتحت النقاش عالميا حول الوسائل المناسبة التي يجب أن يحاكم بها الكتاب الأفارقة. جينوا أجبي ساهم في تشجيع وفتح الأبواب للعديد من الكتاب الأفارقة كمحرر لسلسة الكتاب الأفارقة.
وقد عمل محاضرا في جامعة نيجريا عام 1967، وعمل محاضر أيضا بالولايات المتحدة بجامعة Massachusetts وجامعة Connecticut، وقد نال العديد من الجوائز والميداليات حيث تعتبره نيجريا أحـــــد معالم ثروتها الثقافية.

وفي روايته (لم يعد هنالك شعور بالراحة) حــكي فيها عـــن مـا أسمــاه (بنظريات لــندن) London Theories التي رصد فيها أحلام الطلاب النيجريين الذين كانوا يدرسون في لندن في الخمسينات، وخططهم الكثيرة التي كانوا يحلمون بتنفيذها كمتعلمين تنتظرهم بلادهم ومستقبلها، كانوا يدخلون في نقاشات عديدة يتطرقون إلي كل خبايا نظام بلدهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية ويرسمون الحلول لها، وقد صار متعارف بينهم أن النظرية كي تنجح تريد اختبارا حقيقيا وهذا الاختبار يتم عند عودة الطالب الي نيجريا، وعندها تتبخر كل أحلام لندن ونظرياتها سريعا ويذكر بطل الرواية ساخرا ( أن أكثرنا حلما يظل متمسكا بنظريات لندن لمدة لا تتعدي الأربع أسابيع).
يطلقون عليه ( صوت إفريقيا)
لقاء مع الروائي النيجيري أجينوا آتشيبي: أحلم بحضارة نشارك جميعاً في صنعها!!

«أجينوا آتشيبي» «الأب المؤسس للادب الافريقي باللغة الانجليزية» على حد وصف فيلسوف جامعة هارفارد الأمريكية أنطوني أبياه أو «صوت افريقيا» كما وصفه الروائيون والكتّاب الافارقة، ويمكن تتبع أثر هذا الكاتب النيجيري البارز بصورة جيدة باعتباره الموجه الاول في خمسينيات القرن الماضي لرواية جويس كاري الشهيرة «السيد جونسون» التي دارت أحداثها في نيجيريا مسقط رأس أتشيبي.
وقد قرأ الكاتب النيجيري البارز آتشيبي هذه الرواية أثناء دراسته الجامعية في أبيدجان عاصمة كوت ديفوار خلال العام الاخير للاستعمار البريطاني لنيجيريا، وكان المقرر الدراسي في الجامعة يتضمن الكثير من الادباء البريطانيين مثل شكسبير وكولريدج ووردزورث ولكن كان كتاب «السيد جونسون» هو أحد الكتب القليلة التي تتحدث عن افريقيا، وكانت مجلة تايم الأمريكية قد أعلنت أن رواية « السيد جونسون» هي «أفضل ما كتب عن افريقيا على الاطلاق» ولكن آتشيبي وزملاءه كان لهم رد فعل مختلف، فهؤلاء الافارقة الذين كانوا يدرسون الادب في جامعة أبيدجان رأوا أن الكتاب يصور بطل نيجيريا باعتباره «أحمق ومرتبك» على حد تعبير آتشيبي نفسه في كتابه «الوطن والمنفى».
كتب آتشيبي يقول: «فتحت عيناي على حقيقة أن وطني يتعرض لهجوم ولم يكن الهجوم يستهدف مجرد المنازل والمدن ولكن الاكثر أهمية أنه كان يستهدف قصة نهوض الوطن»، وفي عام 1958 رد آتشيبي على رواية « السيد جونسون» برواية عن نيجيريا حملت عنواناً يقول «تداعي الاشياء» Things Fall Apart الذي كان من أوائل الكتب التي حكت قصة الاستعمار الاوروبي لافريقيا من منظور افريقي، وقد تحول هذا الكتاب فيما بعد إلى واحد من كلاسيكيات الادب العالمي حيث جرت ترجمته إلى أكثر من خمسين لغة حول العالم، وكان كتاب « تداعي الاشياء» نقطة تحول بالنسبة للكتاب الافارقة الذين بدأوا في الخمسينيات والستينيات العودة بالادب الروائي إلى ما يسمى «بالقارة السوداء»، والحقيقة أن آتشيبي شجع الكتاب في العالم الثالث على البقاء في بلادهم والكتابة عنها بطريقة تساعد في تحقيق التوازن المطلوب، وفيما يلي نص الحوار الذي أجراه آتشيبي مع كاتي باكون من مجلة «أتلانتيك مانثلي» الادبية حول تجربته في عالم الابداع الروائي:
* أطلقوا عليك لقب مؤسس الادب الافريقي، كما أن رواية « تداعي الاشياء» ما زالت تحتفظ ببريقها رغم مرور عشرات السنوات على كتابتها، فهل فوجئت بما كان لهامن تأثير؟
نعم، في البداية فوجئت، فلم يكن عند صدور هذه الرواية أدباً افريقياً بالصورة التي نعرفها اليوم. ولم يكن لديَّ أدنى فكرة عندما كنت أكتب هذه الرواية ان كانت ستقبل أو حتى ستنشر من الاساس، فقد كان كل شيء جديداً، ولم يكن هناك شيء يمكن من خلاله توقع الصدى الذي يمكن أن تحققه الرواية، بعد فترة بدأت أفهم لماذا كان لهذا العمل كل هذا الصدى، وبدأت أفهم تاريخي بصورة أفضل، عندما كتبت تلك الرواية كنت خبيراً في تاريخ العالم، كنت شاباً، عرفت ان لديَّ قصة ولكنني لم أكن أعرف إلى أي مدى يمكن أن تتماشى هذه القصة مع قصة العالم، فقد كان معناها بالنسبة للشعب الذي انتمي إليه واضحاً ولكنني لم أعرف شيئاً عن معناها بالنسبة لشعوب العالم الاخرى ولا عن الطريقة التي تجاوبوا بها معها، لم أكن أعرف هل ستحمل هذه الرواية أي صدى أو معنى بالنسبة لهم؟ والحقيقة أنني أدركت فيما بعد أنه كان لها معنى وصدى لدى شعوب العالم الاخرى.
* ولكن من الواضح أن الشعوب التي لم تعان من الاستعمار تجاوبت مع روايتك أيضاً؟
هناك أشكال كثيرة للقهر وهناك طرق كثيرة جداً جداً يمكن من خلالها حرمان الناس أو جعلهم ضحايا بصورة أو بأخرى، فالامر لا يقتصر على الاستعمار المباشر فقط، فبمجرد أن تسمح لنفسك بالتوحد مع الناس في الرواية فسوف تبدأ في رؤية نفسك في الرواية حتى لو كانت هذه الرواية تبدو من على السطح بعيدة عن موقفك، وهذا هو ما أحاول تعليمه لتلاميذي في الجامعة، وهذا أحد أعظم الاشياء التي يمكن أن يفعلها الادب، فهو يستطيع أن يجعلنا نتوحد مع شخص آخر لا يشبهنا، وإذا فعل العمل الادبي ذلك فقد حقق المعجزة بالفعل، انا أقول لتلاميذي أنه ليس من الصعب أن تتوحد مع شخص ما يشبهك او يسكن إلى جوارك أو تحبه، ولكن الاكثر صعوبة بالفعل أن تتوحد مع شخص آخر لا تراه ويعيش بعيدا عنك جدا ويختلف عنك في اللون ويأكل أنواعاً مختلفة من الطعام، عندما تبدأ في عمل ذلك يكون الادب قد حقق غايته القصوى.
استعادة الهوية
* في رواية «تداعي الاشياء» كتبت في وصف الرجل الابيض تقول: «يمسك بسكين ليضعها في الاشياء التي تجمعنا معا لنسقط جميعا»، فهل الامور ما زالت بنفس الحدة أم أن الجراح بدأت تلتئم؟
ما كنت أشير إليه أو ما يشير إليه الراوي في هذه الرواية هو عملية قلب المجتمع رأساً على عقب في افريقيا وتحطيم النظام الاجتماعي، فقد اضطرب المجتمع في قرية أوموفيا التي جرت فيها أحداث رواية «تداعي الاشياء» بسبب قدوم الحكومات الاوروبية والبعثات التبشيرية المسيحية وهكذا، ولم يكن هذا الاضطراب أو الخلل الاجتماعي مؤقتا فقد كان في لحظة من اللحظات بمثابة تغيير كامل لنظام المجتمع، ولكي أعطي لك مثالا من نيجيريا يوضح رؤيتي أقول إن شعب أجبو الذي يسكن نيجيريا كان ينظم نفسه في مجموعات صغيرة يعيشون خلالها سواء في مدن صغيرة أ وفي قرى صغيرة وكل واحدة تحكم نفسها بنفسها، ولكن مع قدوم الاحتلال البريطاني فقد تم ضم أراضي شعب أجبو إلى أراضي شعوب أخرى لتكوين دولة نيجيريا التي ضمت شعوبا افريقية تختلف عن بعضها البعض في اللغة والدين والثقافة والعادات والتقاليد، ونتيجة مثل هذا العمل لا يمكن علاجها بسرعة، فلكي يعيد المجتمع تنظيم نفسه مرة أخرى عليه أن يتعلم حقائق جديدة تماما وأن يكيف نفسه مع متطلبات هذه الحقائق الجديدة التي هي الدولة التي تسمى نيجيريا، فقد أجبر الاحتلال البريطاني قوميات مختلفة لكل منها عاداتها وتقاليدها ودياناتها على العيش معا، ولذلك وبعد خمسين عاما من الاستقلال ورحيل الاستعمار البريطاني تحاول هذه الشعوب في نيجيريا استعادة هويتها مرة أخرى وبصورة مفاجئة، إذن فالمشكلات التي تواجهها نيجيريا حاليا يمكن اعتبارها نتيجة للجهود التي بذلها الحكم الاستعماري لتكوين دولة جديدة، والحقيقة أنه لا يوجد اي مؤشر على نجاح أو فشل هذا، فالامر كله نسبي ويتوقف على الزاوية التي تنظر منها على الموقف ككل، وربما يسمع البعض شخصا ما يسأل: ما هو الوقت الذي تحتاجه هذه الشعوب الافريقية لكي تتحد معا؟
الحقيقة أن مثل هذا الامر يحتاج إلى وقت طويل جدا جدا لان الامر ينطوي بالفعل على كثير من المعوقات والاضطرابات فتمضي هذه الشعوب خطوة واحدة للأمام ثم تتراجع ثلاث خطوات للوراء.
تبرير العبودية
* في كتابك الاخير «الوطن والمنفى» تحدثت عن الطرق التي صور بها الكتّاب البريطانيون أمثال جوزيف كونراد وجويس كاري الافارقة على مدى عدة قرون.. فما هو غرضهم من تصوير الافارقة بهذه الصورة السيئة؟
الحقيقة أنهم كانوا بالفعل يخدمون أغراضا محددة، فعلى مدى مئات السنين أسفرت العلاقة بين أوروبا وافريقيا عن نوع من الادب يقدم افريقيا في صورة شديدة السوء ويقدم الافارقة بكلمات شديدة الفظاعة، والسبب في ذلك كان حاجة الاوروبيين إلى تبرير العبودية وتجارة العبيد التي كانوا يمارسونها في حق الافارقة، فقد كانت قسوة هذه التجارة قد بدأت تثير اضطراب البعض في أوروبا، وبدأ بعض الناس يتساءلون عن مدى إنسانية هذه التجارة غير الأنسانية، ولكنها كانت في الوقت نفسه تجارة مربحة جدا لذلك بدأ الناس المتورطون فيها يدافعون عنها ويضغطون على الناس لتأييدها وإيجاد مبرر لها، وقد كان تبرير مثل هذه التجارة او إيجاد عذر لممارستها مهمة شاقة لذلك كانت الخطوات التي اتخذت من أجل الوصول إلى هذا الهدف متطرفة جدا، فقد كان هناك اوروبيون على سبيل المثال يقولون إن الافارقة ليسوا بشرا وأنهم لا يشبهون الانسان الاوروبي.
رؤية جديدة
* كتبت في كتابك الوطن والمنفى تقول: «بعد فترة قصيرة من السكون وقليل من الشك في الذات بشأن المهمة الاستعمارية القديمة بدأ الغرب مرة أخرى يستعد لمحاولة استئناف مونولوجه القديم في العالم» فهل بدأ بعض الكتاب في الغرب بالفعل التراجع ومحاولة طرح نظرتهم للقصص الافريقية برؤية جديدة أخرى؟
هذا التقليد الذي أتحدث عنه استمر لمئات السنين والكثير من الاجيال نشأت عليه. عندما يتجمع أي تقليد معين ليصبح قويا بما يكفي لاستمراره مئات السنين فأنت لا تستطيع التخلص منه في يوم واحد، وعندما بدأ الرد الافريقي على هذا الموقف المتحيز للادب الغربي اعتقدت أنه سيكون هناك توقف فوري من جانب الغرب كما لو أنهم سيقولون: حسنا سوف نوقف رواية هذه القصة لأننا رأينا أن هناك قصة أخرى، ولكن بعد فترة كانت هناك بداية جديدة محددة ليست بالقطع عودة كاملة ولكن شيء ما كرد فعل للقصة الافريقية لا يستطيع بالطبع الذهاب إلى نفس مسافة التقليد الاصلي الذي رد عليه الافارقة. كان هناك رد فعل على رد الفعل وسيكون هناك المزيد من ردود الافعال على ذلك، واعتقد أن الامر سيستمر بهذه الطريقة حتى يتحقق ما أسميه توازن القصص، وهذا بالتحديد هو ما أتمنى رؤيته خلال القرن الحالي أي توازن القصص بحيث يمكن لكل شعب من شعوب العالم أن يحدد ملامحه بحيث لا يكون ضحية لحسابات شعب آخر، وهذا بالتأكيد لا يعني القول بأنه ليس من حق أحد أن يكتب عن الآخر بل إنني أعتقد أنه يجب ان يكتب الجميع عن بعضهم البعض.
الفائز والمهزوم
* هذا هو ما بدأ بالفعل برواية «تداعي الاشياء» وغيرها من كتابات الافارقة خلال خمسينيات القرن الماضي؟
نعم، هذا ما حدث بالفعل، ولكننا في ذلك الوقت لم يكن واضحا أمامنا بصورة كاملة ما نفعل على وجه التحديد، نحن كنا ببساطة نكتب قصصنا، ولكن القصة الاكبر كانت في كيفية ترابط هذه القصص المتنوعة معا. لقد أدركنا واعترفنا انه لم تكن قصص الشعوب الخاضعة للاستعمار فقط هي المقموعة، ولكن هناك شعوب عديدة في مختلف أنحاء العالم لا تتحدث، وهي لا تتحدث ليس لانه ليس لديها ما تقوله ولكن عليها ببساطة أن تشارك في تقسيم القوى لان رواية القصة لا تتم إلا في وجود القوة، ومن سيفوز سيروي القصة ومن سيهزم لن يسمعه أحد، ولكن يجب أن تتغير هذه القاعدة، فمن مصلحة أي شخص بما في ذلك الفائزون معرفة القصة الاخرى وان هناك قصة أخرى بالفعل. إذا استمعت إلى جانب واحد فقط من القصة فلن تفهم شيئا على الاطلاق.
القوى الثقافية
* أنت تت

المزيد


قضية للنقاش .عادل أمام مؤسس سينما العنصرية في مصر

حزيران 1st, 2007 كتبها amir elbasher نشر في , نقد ادبى

من الصعب جدا اعتبار أعمال عادل أمام ، ضمن الفن الذي يهدف لفهم وتغيير الواقع ،ألا تجاوزا، لان شخصيته في حد ذاتها تكريس مطلق لذلك الواقع ، في مجال العمل السينمائي ، هذا لا يمنع من انه أنجز أعمال جيدة لدرجة ما عن طريق صدفة التي قادته للفن ، من السمات الأساسية في عادل تضخم شخصيته علي حساب النص إذ وجد نص ، ما يعرف البطولة المطلقة التي تعتبر من أزمات السينما المصرية ، فإطلاق علية لقب الزعيم يوضح اغترابه عن الفن ، ا

المزيد


الشاعر ضمير عصره

آذار 31st, 2007 كتبها amir elbasher نشر في , نقد ادبى

 د. جيلى عبدالرحمن

دراسة نقدية لديوان الشاعر محجوب شريف "الأطفال والعساكر"

 

مقدمة كتبها الراحل د. جيلى عبدالرحمن لديوان الشاعر محجوب شريف الذى عمل على أصداره المكتب الثقافى لإتحاد الطلاب السودانيين فى الإتحاد السوفياتى. حينها كان الراحل يعد فى رسالة الدكتوراة فى معهد جوركى للأدب بموسكو. والحق يقال أن الأخ سليمان محمد إبراهيم، المسؤل الثقافى للإتحاد حينها، كان السباق بطرح فكرة إصدار الديوان وتابع الفكرة بإصرار مع الأخ د. إبراهيم النور الذى كان حينها نائباً لرئيس اتحاد الشباب العالمي وتحمس للفكرة ووافق على نشر الديوان بدعم من اتحاد الشباب العالمي، وهو الذى وقف خلف فكرة هذا التقديم الذى سطره الراحل.

 

لا نبالغ إذا قلنا أن هذا الديوان- وهو بعض من شعر صاحبه- يمثل قمة للفن الثورى الأصيل الذى يتكامل فنياً وديمقراطياً فى السودان، وانفجر كالإعصار فى خضم المد الجماهيرى الذى توجه شعبنا بإنتفاضة 19 يوليو 1971 م. إنه من ظواهر الطبيعة الاجتماعية إذن… تلك التى بدأت مخاضها بالثورة المهدية، واستكملت حلقة صاعدة فى ثورة 1924م.، ثم تبوأت قمة جديدة بانبثاق الحركة الوطنية- والماركسية بالذات- بعد الحرب العالميَّة الثانية لتصفية الإستعمار البريطانى… ثم إستكمال الثورة الوطنية الديمقراطية… وأخذت خصائصها الجديدة تستبين فى عاصفة اكتوبر 1964… ولا نقول أن هذا الفن قد انفجر إعصاراً عاتياً فى السبعينات من باب التزويق البيانى… فنحن نعنى بذلك أن راياته المشرعة، وسماته فى الشكل والمحتوى قد اكتسبت نوعية وميلاداً جديدين.

 

لم يجث هذا الفن على ركبتيه، أو ينكس رأسه، وكما يحلو لمحجوب شريف أن يقول لم ينكسر سيفه… والسيف هذا لا يتقلده نبيل من سلالة الإقطاع أو "محلق" نجيب من قبائل الهدندوة… فمثل هذه السيوف والجياد قد ولى زمانها… ولكن سيف الشعر أحمر صقيل، رمز يستمده من التراث الشعبى ويغنيه بدلالات إنسانية زاخرة… والعشيقة التى ينافح عنها هذا السيف هى سماء الخرطوم، ونقاوة التربة، وشرف الوطن… وإن كانت ثمة ولهى فى إنتظاره فإنها تلتحم بالسماء والتربة والشرف، وإلا فليس بينه وبينها من واصل… وإذا كان هذا الفن لم ينحسر بالردة… وإنما ردها على أعقابها، ووضعها فى قفص الإتهام… بل غدا قاضياً يسترجع الأوضاع المقلوبة الى نظامها الصحيح… ويحشو البنادق بالرصاص ليسددها الى صدور الخونة… ويرفض فى اباء المقولة الخاسرة بتركيع الثورة- مما سنوضحه بشئ من التفصيل فيما بعد- نقول أن هذا السيف لا يستجدى الأمل، أو يدق النحاس لواهنين وجلين، ولكنه شاهد وضمير عصره… فهو يحيل الحلم الى حقيقة… ويخوض معركة كتب فيها للشهيد أن يكون عريساً، والصرخة زغرودة، والمتهم قاضياً… ويخلع عن المجرم رتبته وأوسمته ليقبع فى مكانه من القمامة ملطخاً بالدم، وقد علقت على رقبته المشنقة التى نصبها للشرفاء.

 

بالأحضان نستقبل هذا الديوان الذى يطرب أفئدتنا بنغم الوطن، وعبق دم الشهداء… ولن نقف لدى الهنات التى قد يتعرض لها الشعر حينما ينظم قصائده فى السجون وقد شح الورق، أو ما يبدو فى الديوان من نبرة عالية تقرب حيناً من الهتاف أو التكرار… فهذه الهنات لا تقلل بحال من المكانة المرموقة، والركائز الفنيَّة التى أرساها الشعر فى مسيرته الثورية.

 

فى قصيدتين من قمم الديوان يؤكد محجوب شريف إنسانيته… بل تنسكب أضلعه فيهما- ألماً وأملاً- يمتزجان فى ديالكتيكية الصراع، وهما "الحب والثورة" و "رسالة الى مريم محمود" وكأنما يقول بهما فى نقاء ثورى مؤثر- بعد إستنفار الهمم، ورفع راية التحدى والعصيان- ها أنا ذا إنسان بسيط، واله محب، كأعمق ما يكون العشق والشوق… فليست تلك العواطف نصيبكم وحدكم أيها الشعراء العاكفون فى محراب العزلة… لا… إننا نعتقها وهى تثرى بنا، ولكن حبى يعانق الثورة، مريم تجسد الأم السودانية الأصيلة التى لا ترضى "الشين" والعار لإبنها… إن الرمز يرتفع ويسمو حتى تصبح حبيبتة وأمه كل ما يملكه من تراث وشمم وذكريات

مشتاقلك كثير والله

وللجيران وللحلة

كمان قطر النضال ولى

وغالى علىَّ ادلى

 

ليس هذا موقفاً أجوفاً يريد تسجيله ولكنه يشتاق كثيراً إليها- ويقسم والى الجيران والبيوت… ولن يدع قطار النضال فدون ذلك المنية المعنويَّة… ولمن يترك رفاقه؟ ما أخساها من عودة!

 

هل يقبع محجوب شريف وراء القضبان راضياً فى تفاؤل سلبى؟ أم أنه دنيا تموج بالحياة والذكريات والدفء، واللوعة… الحاضر هنا إمتداد الماضى… والمستقبل حصيلتهما… ونداؤه لرفيقته عشق ثورى، لم تعرفه الرومانتيكية الخيالية الغارقة فى الذات، والذات وحدها!

محطة… محطة بتذكر

عيونك ونحن فى المنفى

وبتذكر مناديلك

خيوطها الحمرا… ما صدفة

وبتذكر سؤالك لي

متين جرح البلد يشفى

ومتين تضحك سما الخرطوم

حبيبتنا ومتين تصفا؟

 

مثل هذا الحب ينبع من قلب إنسانى، لا يتسع لإنسانه فقط… ولكنه يستوعب هموم الفقراء الذين من أجلهم سيق الى السجن، إنه الحب، القضيَّة، الموقف… وليس ثمة عموميَّة فقد نسج العلاقة بالخيوط الحمراء، بسؤالها عن الجرح الأحمر، وسماء الخرطوم التى يعكر صفوها الإكفهرار… وتفيض إنسانيته فيصفح عنها حتى لو نسيته أو ذرفت على غيمته الدموع… ولكنه يحرضها عليه ان القى سيفه وخان الثورة… ولعمرى ليس من إلتزام أوثق، أو إنسانية ثورية أصفى من ذلك السمو… وطرح السؤال فى حد ذاته تعبير دراماتيكى عما يكابده… إنه يضوى النقيض بالنقيض… ويتغلغل داخل الحدث فيمنحه تأثيراً وبلاغة نفاذتين…"اننى سوف أصفح عن ضعفك… ولكن إياك أن تقبلى ذلتى وهوانى"

أسامحك لو نسيتينى وأهنتينى

وبكيتى علىَّ

لو فى يوم رميت سيفى

ورفعت إيدىَّ

وخنت الثورة… جيت والذلة فى عينىَّ

حرام عينيك بناغمونى ويرحبو بىَّ

حرام إيديك ينومن تانى فى إيدىَّ

 

ليست سادية تستهويه، أو تعذيباً نفسياً… ولكنها طهارة ثورية، صدق مشروع، فإن تدنس فى وحل الخيانة… فهيهات أن تدغدغه ألفة.

 

القطار يرمز للإندفاع، والمنفى رمز للقهر المفروض، والسيف يرمز للمقاومة، والحوار تعبير عن الصراع والإصرار اللذين يقنعان فى فنية وصدق، والقوافى رقيقة وتتناثر داخل القصيدة "يقربنا ويعذبنا

المزيد