فريدة النقاش
في السادس عشر من مارس 2003 وقبل غزو العراق بأربعة أيام قتلت جرافة إسرائيلية فتاة أمريكية كانت قد حاولت
منع الجرافة من هدم بيت فلسطيني.
وقد وافق يوم العشرين من مارس الذكري الرابعة لغزو العراق واحتلال أراضيه، كذلك توافق يوم استشهاد راشيل كوري في
رفح وهي تحاول منع جرافة من هدم بيت فلسطيني في السادس عشر من مارس مع يوم المرأة المصرية الذي سقطت فيه نساء مصريات شهيدات في مواجهة مع جيش الاحتلال الإنجليزي في ثورة 1919 ليسجلن بدمائهن نقلة جديدة في حركة كفاح المرأة المصرية من أجل تحررها.
فبعد سنوات قليلة من مشاركتهن في الثورة واستشهاد بعضهن نشأ الاتحاد النسائي المصري كأول منظمة نسائية حديثة تدافع عن
حقوق النساء المصريات وحرياتهن ودورهن في الحياة العامة برئاسة هدي شعراوي.
جاءت راشيل كوري إلي فلسطين مع وفد التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني لتقول لهذا الشعب الصابر الباسل مع زملائها
من كل أنحاء العالم إنك لست وحدك، وأنه بالرغم من القوة الدعائية الهائلة للحركة الصهيونية مستفيدة من نفوذ المال والدعم
الامريكي غير المشروط فهناك في هذا العالم من يعرفون الحقيقة، هؤلاء الذي أرق العدوان الصهيوني المتواصل علي الشعب الفلسطيني ضمائرهم، وجعلهم يطرحون الأسئلة حول مفهوم العدالة في هذا العصر الذي يهيمن فيه قطب واحد استعماري مدجج بالسلاح والمال علي مقدرات العالم، وأقتضتهم النزاهة الاخلاقية أن يقرنوا القول بالفعل، وأن يحولوا لأعمال شعارات التضامن
مع الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، والتي تكافح من أجل حريتها واستقلالها شأن الشعبين الفلسطيني والعراقي.
وفي هذا السياق كان وفد رفيع المستوي من كبار كتاب العالم قد قام بزيارة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات
في محبسه بمقر المقاطعة في رام الله والذي كانت إسرائيل قد حاصرته فيه ومنعت خروجه منه، وأبقته تحت تهديد
الطرد من وطنه إلي أن مات ميتة تحيطها الشكوك. وضم هذا الوفد حينذاك ثلاثة من كتاب العالم الحاصلين علي
جائزة نوبل للآداب هم جوزيه ساراماجو البرتغالي وجابرييل جارسيا ماركيز الكولومبي، وول سوينكا النيجيري،
ووقف هؤلاء في وجه العاصفه مثلما فعلت راشيل كوري الرسامة والشاعرة الامريكية والطالبة الجامعية ذات
الثلاثة والعشرين ربيعاً والتي عادت إلي بلادها جثة محطمة بأسنان الجرافة التي لم يكتف سائقها بدهسها، بل
عاود سحقها مرة أخري حين حملتها مخالب الجرافة وألقتها أرضا كما يروي شهود العيان، وكانت هي تلوح
بالعلم البرتقالي رمز وفد التضامن العالمي دون جدوي.. بل وكانت هي نفسها ترتدي زياً برتقاليا لتميز نفسها
كداعية سلام وتضامن، إذ لم يخطر ببالها أبداً أنها يمكن أن تلقي حتفها، شأنها شأن الفلسطينيين الذين يموتون
كل يوم برصاص الاحتلال، علي الحواجز أو في الطرقات ذلك أنها هي بيضاء وأمريكية كما قالت في إحدي رسائلها.
ومن يدري ما الذي خطر ببال سائق الجرافة وهو يقتل راشيل فربما كان يريد قتل هذه الفكرة ذاتها أن شابة بيضاء
وأمريكية تتضامن مع شعب فلسطين.
وعلي ما يبدو فإنه لم يخطر ببال راشيل كوري أن التغيرات العاصفة التي شهدها العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي
وهيمنة القطب الأمريكي الواحد علي مقدرات البشر سوف تٌطلق كل هذه الوحشية من عقالها ليبدو قول كاتبنا نجيب
محفوظ إن الإنسان جديد والوحش قديم وكأنه نبوءة توقعت هذه التحولات التي الحقت أذي بالغاً بحركة الشعوب
من أجل التحرر والعدالة، بل وبإنسانية الإنسان وذلك في سياق العولمة الرأسمالية الاستعمارية التي لا تتورع
عن شن حروب الإبادة وتكثيف استغلالها للشعوب وإذلالها وإحكام قبضتها عليها وإهدار سيادتها بدعوي أن
السيادة موضة قديمة .
كان موت راشيل الفاجع تحت جرافة إسرائيلية سعت هي لمنعها من هدم بيت فلسطيني في رفح هو آخر الآلام
التي عاشتها الفتاه حين كان هاجسها الرئيسي أن إسرائيل سوف تستغل فرصة انشغال العالم بالحرب علي
العراق وترتكب مجزرة وكانت هي المفعمة بالحساسية والأحلام والوفية للقيم الإنسانية العليا تشعر بالذعر
من مثل هذا الاحتمال وكانت قد شهدت ما يكفي من الألم في فلسطين حتي أخذت تعيد النظر كما تبين رسائلها
لا في حياتها وحدها وإنما في حياة كل الأمريكيين الميسورين، وكل البشر اللامبالين، وكل هؤلاء الذين يديرون
ظهورهم للشر والظلم ولسان حالهم يقول وأنا مالي .
وكان أن حملت رسائلها إدانة غاضبة لكل الصامتين فكيف نسمح للعالم بأن يكون بتلك البشاعة وإذا كنت أشعر
بالغضب الشديد لمجرد دخولي القصير وغير الكامل إلي ذلك العالم الذي ينتمي إليه هؤلاء الاطفال فإنني أتساءل
كيف سيشعرون هم إذا دخلوا إلي العالم الذي أعيش فيه.. كانت كأنما تستدعي الطفلة السعيدة التي كانتها متسائلة
عن حق الآخرين المقدس في مثل هذه السعادة التي رأتها هي بديهية بينما ينفيها الواقع البائس، واقع الهدم واقتلاع
الزرع وقتل ا














