إي. بي. دونغالا (1941-…) ولد في الكونغو. وهو شاعر، وروائي، وكاتب قصة قصيرة، بالإضافة إلى كونه محاضراً في الكيمياء في جامعة “ستراسبورغ” و”برازافيل”. وقد وصف على أنه الكاتب الإفريقي الرائد في الهجاء. مجموعته القصصية “جاز إيه فان دو بالم” (موسيقا راقصة وخمر من النخيل) بالفرنسية، والتي من ضمنها قصة “الرجل” هذه، كانت محظورة في الكونغو.
تأليف كاتب الكونجو: إي. بي. دونجالا
ترجمتها عن الإنجليزية: كنينة دياب
لا….. لن يهرب في هذا الوقت! بعد ثمان وأربعين ساعة، ها قد اقتفوا أثره، وأصبح خط رحلته معروفاً، وقد حُدّدت القرية التي يختبئ فيها. ولكم من الإرشادات المضللة كانت هناك! فقد قيل إنه ظهر في كل مكان في وقت واحد! وكأنه يمتلك قدرة الوجود في كل مكان، وفي كل الأوقات: المقاتلون المعينون لهذه المهمة قد قاموا، كما يبدو، بمطاردته في قلب الدولة، لكن دون التمكن من أسره: فقد صرحت زمرة الكشافين الذين نزلوا بالمظلات في المستنقعات الشمالية، أنهم قد جرحوه جروحاً قاتلة، وأن دليلهم الى ذلك آثار الدماء التي اختفت في داخل الوادي المنحدر؛ أقسم الحراس الأماميون، أنهم قد أطلقوا عليه النار في الزورق الطويل (والذي قد غرق لسوء الحظ)، حين حاول النجاة عبر النهر: ولكن أي من هذه التصريحات لم يستند إلى تحقيق نهائي. إن شبكة البوليس المحكمة قد اشتدت قبضتها أكثر، فقد وجد عدد جديد من ألوية الشرطة، وأعطيت البطاقة البيضاء (الأمر المفتوح) للجيش. اقتحم الجنود أحياء الطبقة العاملة من المدينة، يحطمون أبواب المنازل، يغرزون الحراب في الفرش المملوءة بالقش والقطن، ويشقون أكياس (الفو- فو)، ويضربون بمؤخرة بنادقهم، أي واحد لا يجيب عن أسئلتهم بسرعة كافية، أو أنهم كانوا ببساطة يصرعون كل من يحاول أن يحتج عن العنف في بيته. لكن هذه الخطط المسلحة القوية كلها لم تحقق شيئاً، وكانت القرية على حافة الهيجان والرعب. أين يمكن أن يكون مختبئاً؟
كان عملاً جريئاً ومستحيلاً تقريباً، بالنسبة لمؤسس الدولة وأبي الأمة، القائد الروحي ومخلّص الشعب، ومدير دفة الحكم العظيم، والرئيس مدى الحياة، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، والأب حبيب الشعب، والذي يعيش في قصر واسع، خارج حدود إقامة المواطنين العاديين. في كل الأحوال، فإن دائرة نظام الأمن الذي تم ابتكاره من قبل بروفيسور “إسرائيلي”، الذي لديه شهادات في علم الحرب ومواجهة الإرهاب، حصينة ومحكمة. فعلى بعد خمسمائة ياردة من خط حماية القصر، يقف جنود مسلحون يحرسون على فواصل بعشرة ياردات بينهم، ليلاً ونهاراً، وهذا المخطط يتكرر على بعد مسافة مائتي ياردة، ثم على بعد مائة ياردة من محيط القصر. وكان القصر نفسه محاطاً بخندق مملوء بالماء على عمق هائل، يعج بالتماسيح الإفريقية والهندية، التي تم استيرادها من وسط إفريقيا، وكذلك التماسيح الأمريكية الاستوائية. من المؤكد أنها لا تتغذى على صغار السمك فقط، وعلى الأخص، أثناء حملات القمع التي تقع بانتظام على الدولة بعد كل طلقة أو صدمة حقيقية أو خادعة. كان خلف الخندق المائي، مجرىً مائي مملوء بالأفاعي الافريقية السوداء والخضراء، ذات السم الفعال الذي تقتل به ضحاياها في نقطة مميزة، كخط دفاع أيضاً. وسور خط حماية القصر ذاته -
عبارة عن صرح هائل بارتفاع ستين قدماً من القرميد والحجارة ويشكل سوراً مثل سور زيمبابوي الأثري - كان منتصباً ومزوداً بأبراج مراقبة، وأضواء كاشفة، ومسامير، وأسلاك شائكة وزجاج مكسور؛ ملحق ببابين ضخمين، ويستخدمان في الوقت ذاته كجسر متحرك يمكن سحبه، ويتم التحكم بهما من الداخل فقط. في النهاية فإن القصر ذاته، قدس الأقداس، حيث يعيش الأب حبيب الشعب: يحتوي على مائة وخمسين غرفة مسورة بمرايا ضخمة تعكس كل شيء وكل شخص، تضخمهم وتقلصهم إلى ما لا نهاية، وبذلك فإن الزوار يشعرون دائماً بعدم الارتياح والقمع، مدركين أن أقل حركة، أو إشارة هي تحت المراقبة. كانت كل حركة مهما كانت صغيرة، تنتقل على شكل صدى من غرفة إلى غرفة أخرى، ومن مرآة إلى مرآة أخرى، حتى تصل إلى المرآة الأساسية، عين السيد نفسه، مراقباً بذلك الكون كله، لا أحد يعرف في أي غرفة ينام الرئيس مؤسس الدولة، ولا حتى أمهر العاهرات اللواتي استخدمهن لعدة ليال في البحث عن ملذاته المعقدة والمزيفة، وحتى القلة الذين يعرفون مكانه، كن الفتيات السعيدات الصغيرات الغضات، حيث كان يستمتع بسلبهن بكارتهن ما بين الإعلان عن حكمين قضائيين يصدران عن قصره، قصر العجائب. لكن، إذا كان الأب الحبيب للأمة، ومدير الدفة، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وأرحم بني الإنسان، غير مرئي لحماً ودماً لمعظم أعوانه، فقد كان حاضراً بشكل آخر، في كل مكان: كان من المتطلبات البديهية وجوب تعليق صورته في كل البيوت. ف














