مايكل لوفي
ترجمة : بشير السباعي
ٌإن من شأن قراءة متأنية لمجمل فقرة ماركس التي يظهر فيها تعبير ” الدين أفيون
الشعوب ” أن تبين أن كاتبها أكثر إدراكا لدرجات الألوان مما هو شائع عنه .فهو يأخذ
في اعتباره الطابع المزدوج للدين : “إن الهم الديني هو في الوقت نفسه تعبير عن هم
واقعي واحتجاج علي هم واقعي . إن الدين هو آهة الخليقة المضطهدة ، هو قلب عالم لا
قلب له ، مثلما هو روح وضع بلا روح . إنه أفيون الشعب ” . ينظر معظم مؤيدي
الماركسية وخصومها إلى عبارة” الدين أفيون الشعوب ” الشهيرة علي إنها خلاصة المفهوم
الماركسي عن الظاهرة الدينية . علي أننا يجب أن نتذكر بادئ ذي بدء أن هذا التعبير
ليس ماركسيا بشكل خاص ، فالعبارة نفسها يمكننا العثور عليها ، في سياقات مختلفة ،
في كتابات كانط وهيردر وفيورباخ وبرونو باور وهاينريش هاينه……
وإذا ما قرأنا مجمل البحث الذي ترد فيه هذه الفقرة - والذي يحمل عنوان ” نحو نقد
لفلسفة الحق الهيجلية ” والمكتوب في عام 1844 - فسوف يتكشف لنا بوضوح أن رأى ماركس
يدين للهيجلية الجديدة اليسارية ، التي اعتبرت الدين اغترابا للجوهر الإنساني ،
بأكثر مما يدين لفلسفة التنوير التي ترجع إلي القرن الثامن عشر والتي أدانت الدين
بوصفه مؤامرة إكليركية لا أكثر ولا اقل .
والواقع أن ماركس عندما كتب الفقرة الأنفة كان لا يزال تلميذا لفيورباخ، هيج يليا
جديدا . ومن ثم فإن تحليله للدين كان ” قبل ماركسي ” لا يتميز بأية إحالة طبقية علي
انه مع ذلك جدليا لأنه قد استوعب الطابع المتناقض للظاهرة الدينية : فهي في بعض
الأحيان تمثل إضفاء للشرعية علي المجتمع القائم وهي في بعض الأحيان تمثل احتجاجا
عليه . ولم تبدأ الدراسة الماركسية المحددة للدين بوصفه علاقة اجتماعية وتاريخية
إلا فيما بعد - خاصة مع مخطوط ” الأيديولوجية الألمانية ( 1846) .
وقد تضمنت تلك الدراسة تحليلا للدين بوصفه أحد الأشكال الكثيرة للإيديولوجية ،
الإنتاج الروحي لشعب ما ،إنتاج الأفكار والتمثيلات والوعي - والتي تعتبر كلها
بالضرورة مشروطة بالإنتاج المادي والعلاقات الاجتماعية المتناسبة معه ، علي أن
ماركس ، منذ تلك اللحظة فصاعدا ، لم يول اهتماما كبيرا للدين بصفته هذه ، أي بصفته
كونا ثقافيا /أيديولوجيا نوعيا للمعني .
….. وانجلز أبدي فرديريك اهتماما بالظاهرة الدينية وبدورها التاريخي يفوق اهتمام
ماركس بهما بكثير . وتتمثل مساهمة انجلز الرئيسية التي قدمها إلى الدراسة الماركسية
للأديان في تحليله لعلاقة التمثيلات الدينية بالصراع الطبقي .
وفيما وراء المناظرة الفلسفية ( المادية ضد المثالية ) حاول فهم وتفسير التجليات
الاجتماعية الملموسة للأديان . فالمسيحية لم تبدو في نظره ( مثلما كانت تبدو في نظر
فيورباخ ) بوصفها
“جوهرا ” منفصلا عن الزمن ، بل هي تبدو بوصفها شكلا ثقافيا يتعرض لتحولات في العصور
التاريخية المختلفة : فهي تبدو في البداية بوصفها ديانة للعبيد ، ثم بوصفها
أيديولوجية ملائمة للهيراركية الإقطاعية واخيرا بوصفها أيديولوجية تتميز بالتكيف مع
المجتمع البورجوازي .
وهي تظهر من ثم بوصفها فضاء رمزيا تتنازع عليه قوي اجتماعية متناحرة :
اللاهوت الإقطاعي والبروتستانتية والبورجوازية والهرطقات الشعبية . وفي بعض الأحيان
كان تحليله يزل في اتجاه تفسير نفعي ، ذرائعي ، بشكل ضيق للحركات الدينية : “….
وان كل طبقة من الطبقات المختلفة تستخدم الدين الملائم لها … ولا أهمية تذكر لما
إذا كان هؤلاء السادة يؤمنون بالأديان التي يتبناها كل منهم أم لا ” ويبدو أن انجلز
لا يري في صور الإيمان المختلفة غير” الستار الديني” للمصالح الطبقية .
لكن انجلز بفضل منهجه الذي يؤكد علي الصراع الطبقي ن قد أدرك - خلافا لفلاسفة
التنوير - أن النزاع بين المادية والدين لا يتطابق دائما مع الصراع بين الثورة
والرجعية . فنحن نجد ، علي سبيل المثال ، في إنجلترا في القرن الثامن عشر ، أن
المادية ممثلة في شخص هوبز قد دافعت عن الملكية المطلقة في حين أن الشيع
البروتستانتية قد استخدمت الدين كراية لها في النضال الثوري ضد آل ستيوارت .
وبالشكل نفسه ،بدلا من اعتبار الكنيسة كلا متجانسا من الناحية الاجتماعية نقدم
تحليلا رائعا يبين كيف أن الكنيسة قد انقسمت في بعض المنعطفات التاريخية بحسب
تركيبها الطبقي . وهكذا فخلال زمن الإصلاح ،كان علي أحد الجانبين كبار رجال الدين ،
القمة الإقطاعية للهيراركية، وكان علي الجانب الآخر صغار رجال الدين ، الذين جاء من
بين صفوفهم إيديولوجيو الإصلاح وإيديولوجيو الحركة الفلاحية الثورية ز ومع كون
انجلز ماديا ” ملحدا ” وعدوا لدودا للدين ، فانه قد أدرك ، شأنه في ذلك شأن ماركس
الشاب ، الطابع المزدوج للظاهرة الدينية : دورها في إضفاء الشرعية علي النظام
القائم ، ولكن أيضا ، تبعا للظروف الاجتماعية ، دورها الإنتقادي والاحتجاجي ، بل
والثوري .
وعلاوة علي ذلك فإن معظم الدراسات الملموسة التي كتبها قد ركزت علي هذا الجانب
الثاني : حيث تركزت ، بالدرجة الأولي ، علي المسيحية البدائية،
ديانة الفقراء والمنبوذين والمهانين والمضطهدين والمقهورين .
فقد جاء المسيحيون الأوائل من ادني مستويات المجتمع : العبيد ، الأحرار الذين حرموا
من حقوقهم ، وصغار الفلاحين الذين نزحوا تحت نير الديون
بل إن إنجلز قد مضي إلى حد رسم تواز مثير بين هذه المسيحية البدائية والاشتراكية
الحديثة : ( أ ) إن الحركتين الكبيرتين ليستا من عمل زعماء وأنبياء- مع أن الأنبياء
ليسوا بالمرة قليلين في أي منهما -بل هما حركتان جماهيريتان .
( ب )إن كليهما حركات مضطهدين ، يعانون من القهر والمنتمون إليهما يتعرضون للتشريد
والملاحقة من جانب السلطات الحاكمة .
( ج ) أن كليهما يدعوان إلى تحرر وشيك من العبودية والبؤس . وسعيا إلى زخرفة
مقارنته ، نجد أن إنجلز يتجه ، بشكل مثير إلى حد ما ، إلي الاستشهاد بقول مأثور
للمؤرخ الفرنسي رينان : ” إذا أردتم تكوين فكرة عما كانت عليه حال الجماعات
المسيحية الأولي ، انظروا إلي شعبة محلية لرابطة العمال الأممية ” ويري انجلز أن
الفارق بين الحركتين يتمثل في أن المسيحيين الأوائل قد نقلوا الخلاص إلي الآخرة
بينما تتصوره الاشتراكية في هذا العالم الدنيوي . ولكن هل يعتبر هذا الفارق واضحا
بالدرجة التي يبدو بها للوهلة الأولي ؟
يبدو أنه قد اصبح مطموسا في دراسة إنجلز للحركة المسيحية الكبرى الثانية - ” حرب
الفلاحين في ألمانيا ” - فتوماس مونزر، لاهوتي وقائد الفلاحين الثوريين والعوام
الهراطقة في القرن السادس عشر كان يريد تجسيدا فوريا علي الأرض لمملكة الرب ، مملكة
الأنبياء الألفية السعيدة . ويري انجلز أن مملكة الرب كانت بالنسبة لمونزر مجتمعا
لا يعرف الفوارق الطبقية ولا الملكية الخاصة ولا سلطة دولة مستقلة عن أفراد ذلك
المجتمع وغريبة عنه .
علي أن انجلز كان ما يزال ميالا إلى اختزال الدين إلي مستوي حيلة : فقد تحدث عن ”
صيغ ” مونزر ” الكلامية ” المسيحية وعن ” ستاره ” الإنجيلي ويبدو انه قد غاب عن
باله البعد الديني المحدد للنزعة الألفية المونزرية ، قوتها الروحية والأدبية
،وعمقها الصوفي المعيش معايشة صادقة . وأيا كان الأمر ، فإن انجلز ، بتحليله
الظاهرة الدينية من منظور الصراع الطبقي ، قد ابرز القوة الاحتجاجية للدين وشق
الطريق لنهج جديد - متميز عن كل من الفلسفة التنويرية التي ترجع إلي القرن الثامن
عشر والهيجلية الجديدة الألمانية - لتناول العلاقة بين الدين والمجتمع .
ومعظم الدراسات الماركسية في القرن العشرين عن الدين تقتصر إما علي تفسير أو تطوير
للأفكار التي عرضها ماركس وانجلز أو علي تطبيقها علي واقع محدد .
كاوتسكي ولينين ولوكسمبورج
تلك هي الحالة مثلا مع دراسات كارل كاو تسكي التاريخية عن المسيحية البدائية ،
والهرطقات التي عرفتها العصور الوسطي ، وعن توماس مور وتوماس مونزر . وبينما يقدم
لنا كاوتسكي نظرات ثاقبة وتفصيلات مهمة عن الأسس الاجتماعية والاقتصادية لهذه
الحركات وعن طموحاتها المشاعية ،
فإنه عادة ما يختزل معتقداتها الدينية إلي مستوي مجرد ” قشرة ” أو”حلة ” ” تخفي ”
محتواها الاجتماعي . وفي كتابه عن الإصلاح الألماني ، لا يبدد أي وقت في تناول
البعد الديني للنزاع بين الكاثوليك واللوثريين والقائلين بتجديد العماد :
واحتقارا منه ل ” المشاجرات اللاهوتية ” بين هذه الحركة الدينية ، يري أن
المهمة الوحيدة للمؤرخ هي ” إرجاع نزاعات تلك الأزمنة إلى تناقضات المصالح المادية
” . وكان كثيرون من الماركسيين في الحركة العمالية الأوربية معادين بشكل جذري للدين
لكنهم كانوا يرون أن المعركة الإلحادية ضد الأيديولوجية الدينية يجب أن تخضع
للضرورات الملموسة للنظام الطبقي ، الذي يتطلب الوحدة بين العمال الذين يؤمنون
بالرب وأولئك الذين لا يؤمنون به .
ولينين نفسه - الذي غالبا ما شجب الدين باعتباره ” ضبابا صوفيا “- يؤكد في مقالة
الذي يحمل عنوان ” الاشتراكية والدين ” ( 1905 ) علي أن الإلحاد لا يجب أن يكون جزء
من برنامج الحزب لأن ” الوحدة ” في النضال الثوري الذي تخوضه الطبقة المقهورة من
اجل خلق فردوس علي الأرض أهم بالنسبة لنا بكثير من وحدة الرأي البروليتاري حول
الموقف من فكرة الفردوس في السماء .
وقد تقاسمت روزا لوكسمبورج هذا الرأي ، لكنها طورت نهجا مختلفا واكثر مرونة فعلي
الرغم من أنها كانت هي نفسها ملحدة ، فقد هاجمت في كتاباتها السياسة الرجعية
للكنيسة - باسم تراثها - بأكثر مما هاجمت الدين . وفي بحث كتب في عام 1905 ، (
الكنيسة والاشتراكية ) قالت أن الاشتراكيين الجدد اكثر إخلاصا للمبادئ الأصلية
للمسيحية من رجال الدين المحافظين المعاصرين .
وبما أن الاشتراكيين يناضلون من اجل نظام اجتماعي يتميز بالمساواة والحرية والإخاء
، فإن القساوسة ، إذا كانوا يريدون مخلصين أن يطبقوا في حياة البشرية المبدأ
المسيحي الذي يدعو إلي أن يحب المرء جاره حبه لنفسه ، يجب أن يرحبوا بالحركة
الاشتراكية .
فعندما يؤيد رجال الدين الأغنياء ، الذين يستغلون ويضطهدون الفقراء ، فانهم يكونون
في تناقض سافر مع التعاليم المسيحية : إنهم يخدمون العجل الذهبي لا المسيح . وكان
رسل المسيحية الأوائل مشاعيين متحمسين وقد حجب آباء الكنيسة ( مثل بازيل الأكبر
ويوحنا كريسوستوم ) الظلم الاجتماعي وهذه القضية تتولاها اليوم الحركة الاشتراكية
التي تحمل إلي الفقراء إنجيل الإخاء والمساواة ، وتدعو الشعب إلي إنشاء مملكة
الحرية وحب الجار علي الأرض . وبدلا من خوض معركة فلسفية باسم المادية ، تحاول روزا
لوكسمبورج استنقاذ البعد الاجتماعي للتراث المسيحي لحساب الحركة العمالية . وكان
الماركسيون النمساويون ، اوتو باور وماكس أدلر ، الخ ، اقل عداوة للدين بكثير من
زملائهم الألمان والروس . ويبدو انهم قد اعتبروا الماركسية متمشية مع شكل ما للدين
، لكن ذلك يشير أساسا إلي الدين بوصفه ” عقيدة فلسفية ” ( ذات إلهام قانطي جديد )
وليس إلي تقاليد ديني