اسامة عبدالرحمن النور
مملكة نبتة : المرحلة الاولي للتاسيس
لازالت غامضة أصول العملية الفعلية التى شكلت الدولة الكوشية النبتية. يبدو أن تلك العملية كانت محلية من حيث أصولها ومن حيث مجمل مسار تطور الدولة اللاحق. وكان الكتاب الإغريق والرومان الذين كتبوا بعد هيرودوت واضحين للغاية في تأكيدهم بأن دولة نبتة لم تكن نتاج انتقال ثقافي تأصل في مصر. والحق أن أعضاء الأسرة النبتية قد بدأوا مشروعهم لتحويل كوش إلى دولة مركزية بأزمان سابقة على اتصالهم بمصر. بعد تأسيس الدولة وفرت لهم العلاقة مع مصر أدوات ونماذج بالإضافة إلى بعض الموارد التى ساعدت في عملية بناء الدولة احتمالاً. فكما أشار الباحث المجرى لازلو توروك اختار أولئك لحكام جوانب من الديانة المصرية لاستخدامها أداة لتشكيل المجتمع الكوشي في دولة مركزية معقدة قائمة إلى حد ما على النموذج المصري Török,1994
. وكما أشار كاتسنلسون فإن عالم التصورات، كما يتبدى في المعمار الجنائزي بالكرو، الذى عكسته مدافن الملوك الكوشيين يلمح إلى ثقافة كوشية في الأساس متطورة بطريقتها الخاصة لكنها استوعبت تأثيراً مصرياً حيثما كان ذلك مرغوبا للكوشيين Katsznelson,1970. كذلك فان مجمل مسار ارتقاء الدولة المتبع تشكل في الأساس في ظروف داخلية، حتى الديانة المصريّة كما مارستها النخبة النبتية فإنها اعتمدت على طقوس ومعتقدات محلية كوشية.
لجأ الحكام الكوشيون، نتيجة تناقض الخيارات التى تتبع وراثة العرش وبفعل تنظيم القطر على أساس نظام قائم على المشيخات أو الإمارات، إلى تلك الجوانب من عقيدة الملوكية المصرية التى تؤكد على الاختيار الصحيح للملوك. في المراحل الأولى للعصر النبتي تعكس أشكال الديانة المصرية في مدافن الكرو معتقدات كوشية محلية. خلافاً للفراعنة المصريين الذين أعلنوا دوماً أن شرعية حكمهم مستمدة من امون رع، شدد الملوك الكوشيون على تحدرهم من سلفهم العظيم الارا وهو ما يعكس أسطورة للحكم تختلف عن الأسطورة المصرية. هكذا فإن الحكام الكوشيين تبنوا أساساً أسطورياًً محلياً مختلف عن الأساس الأسطوري المصري.
تشير أقدم ثلاث عشرة مدفناً في جبانة الكرو، والخاصة بأسلاف الملك كاشتا، إلى الكثير من الشبه البالغ درجة التطابق مع المدافن المميزة لملوك كرمة شكلاً ومضموناً. إنها عبارة عن تلال مستديرة لم يتم النجاح في تحديد المدفونين بها ذلك أن تلك المدافن كانت قد تعرضت للنهب في القدم. تتجه المقابر من الشمال إلى الجنوب، الرفات التى تم الكشف عنها في مقبرة واحدة فقط اؤرخت بحوالي 800–780 ق.م. الميلاد. تمدد الجثمان في وضع أشبه بالنائم على جانبه الأيمن لا في تابوت وإنما على عنقريب. كل هذا يتطابق تماماً مع العادات الجنائزية المميزة لكرمة وفي مقابر المجموعة الثالثة مع عدم وجود أية دلائل تشير إلى التحنيط. لاحقاً استبدل الكوم الترابي التلي الفوقي بشكل أشبه بالمسطبة مع بقاء المقبرة (حجرة الدفن) على ما كانت عليه دون تغيير أصابها، مع ملاحظة أن تلك المساطب شيدت في الغالب كتلال فوقية. تأتي بعد المدافن التلية الثلاث عشرة ثلاث مساطب (الكرو7 و8 و20) خاصة بالملك كاشتا واثنتين من زوجاته. المسطبتان 7 و 8 أشبه في شكلهما وخارطتهما بالمدافن التلية السابقة، لكنهما تختلفان من حيث أن حجرة الدفن اتخذت اتجاها شرق- غرب وليس شمال- جنوب. من ثم يتكرر هذا الاتجاه المميز للمدافن المصرية في مدافن الملوك الكوشيين. لجأ الملك بيَّا والكثيرون من خلفائه، في سعيهم تقنين شرعيتهم لوراثة التاج المصري، إلى استعادة تقاليد المملكة المصرية السالفة وشيدوا لأنفسهم أهراماً بداية في الكرو ومن ثم في نوري وأخيراً في البجراوية ، لكنه تم الإقلاع عن هذا التقليد الوافد مع مرور الزمن، اذ بمجرد أن انقطعت العلاقات مع مصر قويت النزعة إلى العودة مجدداً إلى تقاليد الدفن الكوشية المحلية…الردميات التلية الفوقية كشواهد على قبور الملوك والأمراء والزعماء.
رغم أن شكل مقبرة بيَّا قد تغير وكذلك خليفتيه شاباكا و شاباتاكا و زوجاتهم فإنهم دفنوا وفق عادات أسلافهم- على عنقريب لا في تابوت. للأسف فإننا لا نمتلك معلومات عن كاشتا و تانوت امانى (تالتاماني). المرة الأولى التى يظهر فيها تقليد الدفن في تابوت كانت في عهد تهارقا لكن ظل الدفن الشائع على عنقريب. تم الإقلاع نهائياً عن تقليد الدفن في تابوت بمجرد انهيار مملكة مروى، وكانت عادة ما يسمى بمدافن شاتي التى لا بدَّ فيها للعبيد أن يرافقوا سيدهم إلى العالم الآخر قد أطلت مجدداً بفترة قصيرة قبيل انهيار مروى.
هكذا سادت في كوش على مدى آلاف السنوات طقوس محلية لدفن الموتى. تبدلت هذه الطقوس فقط في فترة الحكام الأوائل للأسرة الخامسة والعشرين الذين فرضوا سيادتهم على مصر. إلا أن تأثير العادات المصرية لم يدم طويلاًً حيث تمَّ استبعادها عودة إلى التقاليد القديمة. وبالقدر نفسه بقيت التقاليد الخاصة بوراثة العرش دون تعديل إذ استمر التعاقب على العرش من الأخ لأخيه ومن الأخير لابن أخته. كما واستمرت بقايا التنظيم الأموي وهو ما انعكس في التأثير الذى تمارسه الملكة الأم الكنداكة.
الارا وخليفته كاشتا هما أول ملكين من ملوك نبتة تمَّ تثبيت اسميهما، لكننا لا نعرف عنهما أكثر من ذلك شيئاً. أما أسلافهما فإننا لا نعرف حتى أسماءهم حيث لم يتم العثور في المدافن التلية وفي المساطب السابقة للملك بيَّا في الكرو على أية نصوص أو حتى نقوش قصيرة. يظهر اسم الارا وكذلك اسم زوجته- أخته كاساكا في مسلة ابنتهما زوجة بيَّا الأميرة تابيرى. لقبَّ الارا في هذه المسلة بالزعيم "أورو" وهو اللقب نفسه الذى أطلقه عليه تهارقا في مسلتين عثر عليهما في كوة، وكان تهارقا ابن أخت الارا المبجل. بعد ذلك يُذكر الارا في نصوص الملكين إيريكى أمانوتى 431–405 ق.م. و نستاسن 335– 310 ق.م. بوصفه ملكاً. على كل فان اسم الارا أحيط في تلك النصوص بالخرطوش الملكي. هنا قد يثار سؤال حول الاختلاف في لقبه خاصة وأنه تم التمييز في مسلة بيَّا بوضوح بين ألقاب الزعيم، والحاكم، والملك.
on.htm>كاديمالو(كاريمالا في قراءة أخرى) مما يشير إلى أن البطانة كانت قد أصبحت متحدة مع نبتة عبر التزاوج. وكان الباحث موركوت أشار إلى أن نشوء مملكة نبتة كان نتاجاً للحرب الأهلية المندلعة بين المشيخات الكوشية المتصارعة على السلطة، ونتاجاً للتزاوج الأسري بين عدد من زعماء المشيخات المختلفة
تشير سجلات التوسع الآشوري في غرب آسيا إلى السلع التى قدمتها مدن البحر الساحلية، من بين تلك توجد القرود وغيرها من السلع المجلوبة الغريبة، لكن الأبنوس والعاج وجلود الأفيال كانت الأهم من بينها. شهدت فترة القرن العاشر- الثامن ق.م. ازدهار صناعة العاج في غرب آسيا في كل المدن الفينيقية الساحلية ومدن شمال سوريا، ومعروف الآن أن الفيل السوري المحلى كان قد انقرض قبل ذلك التاريخ، ومن ثمَّ علينا أن نسأل عن مصدر ذلك العاج. تشير المادة إلى أن العاج الذى صنع هناك هو من نوع الفيل الأفريقي الغابي. التجارة بين مصر ومدينة بيبلوس في عصر الفرعونين ششنق الأول وأسركون الأول مشهودة، وكذلك في أزمان لاحقة مع اشدود و سيدون و تير. غض النظر عما إذا كانت جلود الأفيال والعاج تجلب إلى غرب آسيا عن طريق النيل إلى مصر بداية أم مباشرة عبر طريق البحر الأحمر، فان المصدر كان لا بدَّ أن يكون سافانا السودان الأوسط.
تثير الآثار الأشورية، التىلاتجد اهتماما في الكتابات المتخصصة التى يسطرها علماء الدراسات المصرية المهتمين بتاريخ كوش، العديد من التساؤلات. تشير العديد من الأدلة إلى الإسهام الأجنبي في سلاح الفرسان والمركبات الحربية في الجيش الأشورى، من بين تلك الأدلة نصوص تشير إلى الجياد الكوشية كور- كو- ساسا المخصصة لجر المركبات الكبيرة، ووصفت النقوش المتأخرة تلك الجياد بأنها كبيرة الحجم. بالإضافة إلى الجباد الكوشية أشارت النقوش إلى عدة الجياد الكوشية، كما أشارت أيضاً لوجود الكوشيين في البلاط الآشوري في وقت مبكر من عهد تجلات بليسار كأخصائيين للخيول Morkot,1994. وباعتقادنا أن ربط الأدلة الكوشية بالأدلة الأشورية، والتي لن نسترسل هنا فيها، تشير إلى أن الكوشيين كانوا يربون الجياد ويصدرونها، ويبدو أن إقليم دنقلا كان هو المكان الأمثل لمزاولة مثل هذا النشاط. يجب ألا ننسى أنه في الأزمان الحديثة المبكرة كانت دنقلا مركزاً لتربية الجياد، وأن مك دنقلا دفع جزية لسلطان الفونج في سنار جياداً.
مملكة نبتة والسيادة الكوشية علي مصر
سنحاولالآنمناقشةسيرةأسرةكوشيةمنالألفيةالمبكرةالسابقةللميلاد. إنجازاتواحدأواثنينمنأعضاءتلكالأسرةتمَّذكرهاعموماًفيالأدبالخاصبالتاريخالقديم،ويمكنللقارئالمهتمبتاريخواديالنيلأنيجدالأسماءنفسهافيالكتبالخاصةبتاريخمصرالقديم،فأسماءبيَّا،شاباكا،و شاباتاكا،و تهارقا،و تانوتأماني (تالتاماني)تبدوعاديةلأنهمحكموامصربوصفهمملوكاًللأسرةالخامسةوالعشرينحوالي 747–600 ق.م. أماأسماءأنلامانى،و أسبالتا،و إريكىأمانوتى،و هارسيوتف،و نستا سنوهممنملوككوشفيمابعدأزمانالأسرةالخامسةوالعشرينفإنهاترتبطلدىعلماءالدراساتالمصريةبنقوشهيروغليفيةذاتأسلوبغيرعادىعدوهمتوحشاً . إنتفسيرظهورالأسرةالكوشيةوإنجازاتهاالسياسيةوالثقافيةلازالمتنوعاًفيالدراساتالمتخصصة،فبعدفترةتميزتبالتقديرالحذرلمااعتقدبأنهإبداعكوشيفيالثقافةالمصريةفيفترةالأسرةالخامسةوالعشرين،فانكتاباتحديثةعنالمرحلةالمتأخرةالمصريةتميلإلىإعادةتشكيلمحددةلذلكالتقدير،أوكمايقولأحدأولئكالكتاب "أنإعادةالأحياءالذىعدسابقاًساييتىومنثمكوشييمكنالنظرإليهالآنبأنهبدأفيمصرالمنقسمةفيالقرنالثامنقبلالميلاد"Leahy,1992وفيحيننبدىاتفاقامعمثلهذهالعبارة،إلاأننفياًكلياًلوجودتقاليدأومظاهركوشيةفيثقافةمصرفيعصرالأسرةالخامسةوالعشرينيبدوغيرمبرر. يظهرأنسوءالفهمالملازملأبحاثالمتخصصينفيالدراساتالمصريَّةالقديمةفيمايتعلقبالبينةالآثارية والوثائقيةلتاريخكوشإنمايأتيمنالاهتمامغيرالكافيبماهوغيرمصري. فالمؤرخالمصريأكدَّفيموسوعتهلتاريخمصرالقديمةعلىخطلالرؤيَّةالمنغلقةتلكوكتبقائلاً: "الواقعأنملوككوشالذينأسسوالأنفسهمملكاًعظيماًفيبلادهمقاموابنهضةقوميةشاملةفيمصروكوشكانلهاأثربعيدفيإحياءواديالنيلثانيةوإعادةمجدهالقديم،بعدأن ظل خاملاً عدةقرونفيأعقابسقوطالدولةالحديثة. وقدتناولهذاالإحياءالنواحيالدينيَّةوالاقتصاديةوالاجتماعيةوالفنيةجميعاً. والواقعأنملوككوشالذينتتألفمنهمالأسرةالخامسةوالعشرينقامواجميعاًعلىرأستلكالنهضةالتىتعدبحقآخرمحاولةفيالأزمانالقديمةلاستردادعزةمصروكرامتها". ويستمرسليمحسنقائلاًبأنفنالنحتفيعهدالملكالكوشيشاباكا "قدأخذيزدهربصورةجليةإذأخذالفنانونينحتونالتماثيلللملوكوعظماءالقومبمايحاكىالطبيعةالخاليةمنكلزخرف،وفيأعمارمتفاوتة،فلديناتماثيللبعضرجالالدولةتصورهمفيالشبابوالكهولةوالشيخوخةبمافيهممنمعايبومحاسن سليم حسن2000 هكذايربطسليمحسنظهورالمدرسةالواقعيةفيالفنالمصريبالتأثيراتالكوشية. ونلمحهناإلىأنظهورالواقعيةفيالفنلابدَّوأنهارتبطبوجودقدرمنالحرياتالفكريةالتىتتيحللفنانينالتعبيربحريةودونقيودتفرضهاالسلطةالسياسية.
ملوككوش
إنتعاقبالملوكالكوشيينالذينأسسواالأسرةالخامسةوالعشرينفيتاريخمصرالقديمةمتفقعليهالآنولاخلاففيذلك،لكنلازالهناكعدماتفاقبشأنالتواريخ،الإشارةالدقيقةالوحيدةواردةفينصفيسيرابيوميثبتوفاةتهارقافيالسنةنفسهاالتىاعتلىفيهابسامتيكالأولالعرش،أيسنة 636 ق.م. وبماأنتهارقاحكمعلىمدى 26 سنةتصبحسنةاعتلائهالعرشهي 689 ق.م. حالياًيكادمعظمالباحثينيقرونالجدولالتاريخي الآتيلتسلسلحكامهذهالأسرةالكوشيةالذينحكموامصر:
أواخر القرن الثامن ق.م.
كاشتا
751-716
بيَّا
716-701
شاباكا
701-689
شاباتاكا
689-661
تهارقا
663-600
تانوتأماني
انعكستنشاطاتفراعنةالأسرةالخامسةوالعشرينفيسلسلةمنالمصادرالمتنوعة،ونعرفعنهمأكثرممانعرفعنالملوكاللاحقينلهم،فبمقارنةنصوصشاباكا،و شاباتاكا،و تهارقا،و تانوتأمانيبحولياتالملوكالآشوريينوبالمقتطفاتالمتفرقةمنالكتابالمقدس،وأيضاًمايمكناستنباطهمنالآثارالمعماريةوالفنية،يمكننافيالكثيرمنالحالاتأننميطاللثامعنالواقعالتاريخى. فلقدظلتلوقتطويلغيرواضحةسلسلةالنسبلملوكالأسرةالخامسةوالعشرين،ولاشكأنمثلهذهالسلسلةتشكلأهميةبالنسبةلتحديدالتواريخوتواترالأحداثوهوماتم تحديده،ولوبصورةغيرنهائيةفيبعضالجزئيات .
Morkot,1994 ونعتقد أن المعطيات المتوفرة حالياً تؤكد على احتواء البطانة تحت سلطة مملكة نبتة بفترة سابقة لاستيلاء نبتة على مصر. إنه ولإنجاز مثل ذلك الاحتواء كان لا بدَّ من وجود إما تحالف سياسي أو تزاوج أسرى أو نشاط عسكري مكثف. لكن ما هي فوائد التوسع جنوباً؟ هل هي فقط الثروات الزراعية والرعوية الكامنة في البطانة؟ نعتقد أنه بالإضافة إلى كل ذلك فان السلع الترفية من أبنوس وعاج وجلود وما إلى ذلك شكلت دوماً أهمية في عمليات التبادل التجاري مع مصر وبقية العالم الخارجي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات :
تاريخ |
السمات:
تاريخ
أرسل الإدراج
|
دوّن الإدراج