مدونة بحكى وبس

الرجل

كتبهاamir elbasher ، في 22 تموز 2007 الساعة: 14:02 م

 
  
  
  إي. بي. دونغالا (1941-…) ولد في الكونغو. وهو شاعر، وروائي، وكاتب قصة قصيرة، بالإضافة إلى كونه محاضراً في الكيمياء في جامعة “ستراسبورغ” و”برازافيل”. وقد وصف على أنه الكاتب الإفريقي الرائد في الهجاء. مجموعته القصصية “جاز إيه فان دو بالم” (موسيقا راقصة وخمر من النخيل) بالفرنسية، والتي من ضمنها قصة “الرجل” هذه، كانت محظورة في الكونغو.
 
 
 
  تأليف كاتب الكونجو: إي. بي. دونجالا
 
  ترجمتها عن الإنجليزية: كنينة دياب
 
  لا….. لن يهرب في هذا الوقت! بعد ثمان وأربعين ساعة، ها قد اقتفوا أثره، وأصبح خط رحلته معروفاً، وقد حُدّدت القرية التي يختبئ فيها. ولكم من الإرشادات المضللة كانت هناك! فقد قيل إنه ظهر في كل مكان في وقت واحد! وكأنه يمتلك قدرة الوجود في كل مكان، وفي كل الأوقات: المقاتلون المعينون لهذه المهمة قد قاموا، كما يبدو، بمطاردته في قلب الدولة، لكن دون التمكن من أسره: فقد صرحت زمرة الكشافين الذين نزلوا بالمظلات في المستنقعات الشمالية، أنهم قد جرحوه جروحاً قاتلة، وأن دليلهم الى ذلك آثار الدماء التي اختفت في داخل الوادي المنحدر؛ أقسم الحراس الأماميون، أنهم قد أطلقوا عليه النار في الزورق الطويل (والذي قد غرق لسوء الحظ)، حين حاول النجاة عبر النهر: ولكن أي من هذه التصريحات لم يستند إلى تحقيق نهائي. إن شبكة البوليس المحكمة قد اشتدت قبضتها أكثر، فقد وجد عدد جديد من ألوية الشرطة، وأعطيت البطاقة البيضاء (الأمر المفتوح) للجيش. اقتحم الجنود أحياء الطبقة العاملة من المدينة، يحطمون أبواب المنازل، يغرزون الحراب في الفرش المملوءة بالقش والقطن، ويشقون أكياس (الفو- فو)، ويضربون بمؤخرة بنادقهم، أي واحد لا يجيب عن أسئلتهم بسرعة كافية، أو أنهم كانوا ببساطة يصرعون كل من يحاول أن يحتج عن العنف في بيته. لكن هذه الخطط المسلحة القوية كلها لم تحقق شيئاً، وكانت القرية على حافة الهيجان والرعب. أين يمكن أن يكون مختبئاً؟
 
  كان عملاً جريئاً ومستحيلاً تقريباً، بالنسبة لمؤسس الدولة وأبي الأمة، القائد الروحي ومخلّص الشعب، ومدير دفة الحكم العظيم، والرئيس مدى الحياة، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، والأب حبيب الشعب، والذي يعيش في قصر واسع، خارج حدود إقامة المواطنين العاديين. في كل الأحوال، فإن دائرة نظام الأمن الذي تم ابتكاره من قبل بروفيسور “إسرائيلي”، الذي لديه شهادات في علم الحرب ومواجهة الإرهاب، حصينة ومحكمة. فعلى بعد خمسمائة ياردة من خط حماية القصر، يقف جنود مسلحون يحرسون على فواصل بعشرة ياردات بينهم، ليلاً ونهاراً، وهذا المخطط يتكرر على بعد مسافة مائتي ياردة، ثم على بعد مائة ياردة من محيط القصر. وكان القصر نفسه محاطاً بخندق مملوء بالماء على عمق هائل، يعج بالتماسيح الإفريقية والهندية، التي تم استيرادها من وسط إفريقيا، وكذلك التماسيح الأمريكية الاستوائية. من المؤكد أنها لا تتغذى على صغار السمك فقط، وعلى الأخص، أثناء حملات القمع التي تقع بانتظام على الدولة بعد كل طلقة أو صدمة حقيقية أو خادعة. كان خلف الخندق المائي، مجرىً مائي مملوء بالأفاعي الافريقية السوداء والخضراء، ذات السم الفعال الذي تقتل به ضحاياها في نقطة مميزة، كخط دفاع أيضاً. وسور خط حماية القصر ذاته -
 
 
 
  عبارة عن صرح هائل بارتفاع ستين قدماً من القرميد والحجارة ويشكل سوراً مثل سور زيمبابوي الأثري - كان منتصباً ومزوداً بأبراج مراقبة، وأضواء كاشفة، ومسامير، وأسلاك شائكة وزجاج مكسور؛ ملحق ببابين ضخمين، ويستخدمان في الوقت ذاته كجسر متحرك يمكن سحبه، ويتم التحكم بهما من الداخل فقط. في النهاية فإن القصر ذاته، قدس الأقداس، حيث يعيش الأب حبيب الشعب: يحتوي على مائة وخمسين غرفة مسورة بمرايا ضخمة تعكس كل شيء وكل شخص، تضخمهم وتقلصهم إلى ما لا نهاية، وبذلك فإن الزوار يشعرون دائماً بعدم الارتياح والقمع، مدركين أن أقل حركة، أو إشارة هي تحت المراقبة. كانت كل حركة مهما كانت صغيرة، تنتقل على شكل صدى من غرفة إلى غرفة أخرى، ومن مرآة إلى مرآة أخرى، حتى تصل إلى المرآة الأساسية، عين السيد نفسه، مراقباً بذلك الكون كله، لا أحد يعرف في أي غرفة ينام الرئيس مؤسس الدولة، ولا حتى أمهر العاهرات اللواتي استخدمهن لعدة ليال في البحث عن ملذاته المعقدة والمزيفة، وحتى القلة الذين يعرفون مكانه، كن الفتيات السعيدات الصغيرات الغضات، حيث كان يستمتع بسلبهن بكارتهن ما بين الإعلان عن حكمين قضائيين يصدران عن قصره، قصر العجائب. لكن، إذا كان الأب الحبيب للأمة، ومدير الدفة، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وأرحم بني الإنسان، غير مرئي لحماً ودماً لمعظم أعوانه، فقد كان حاضراً بشكل آخر، في كل مكان: كان من المتطلبات البديهية وجوب تعليق صورته في كل البيوت. فنشرات الأخبار في الراديو، كانت تبدأ وتنتهي دائماً بأحد أفكاره المفعمة بالحماس. وتبدأ أخبار التلفاز، وتستمر، وتنتهي أمام صورته. وكذلك فإن الجريدة المحلية الوحيدة، تنشر في كل عدد، أربع صفحات، على الأقل، لرسائل يعبر فيها المواطنون عن حبهم الذي لا يموت. موجود في كل مكان، ولا يمكن الوصول إليه. ولهذا السبب كان القيام بأي عمل بطولي مستحيلاً.
 
  ورغم ذلك فقد نفذها: قد نجح في ولوج القصر، وتجاوز التماسيح، والثعابين، والحرس الإمبراطوري، وقد نجح في خداع مصيدة المرايا، وأعدم أبا الأمة، كما يقتل الواحد أحد العامة المحرضين على الشغب، ومثيري الانقلابات. ثم قام بعد ذلك برحلة العودة، متجنباً أبراج المراقبة، والجسر المتحرك، والثعابين الخضراء، والثعابين السوداء، والتماسيح، والحرس الإمبراطوري.. ونجا! بعد ثمان وأربعين ساعة، هو ما زال حراً طليقاً!
 
  وبعد ذلك انتشرت الإشاعات، لم يعرف أحد من أين جاءت: لقد اقتفوا أثره، وخط سيره أصبح معروفاً، والقرية التي يختبئ فيها قد تم تحديدها، كان محاصراً. هذه المرة لن يهرب بعيداً!
 
  عربات مصفحة، سيارات جيب، وعربات شحن مليئة بالجنود، انطلقت في الثالثة صباحاً. لم تكلف المدفعيات نفسها بالدوران حول البيوت في القرى التي كانوا يمرون عبرها، فكون الخط المستقيم هو الأقصر مسافة بين نقطتين: فقد تركت القرى تحترق خلفهم، كانت الجثث مرمية كالقمامة، ومتكومة فوق بعضها، في الأخاديد التي حفرتها شاحناتهم المقطورة. والمنتصرون القاهرون حقاً في بلد مضطهد مقهور، قد وصلوا بسرعة إلى غايتهم. أيقظوا القرويين بعقب بنادقهم. بحثوا في كل مكان، أفرغوا مخازن القمح، بحثوا في الأشجار، وداخل العليات، ولم يعثروا على الرجل الذي يبحثون عنه. كان الضابط الآمر للجنود مغتاظاً جداً، وبدا عنقه وكأنه يكاد ينفجر تحت رباط الخوذة.
 
  “أعرف أنه هنا، ابن الساقطة! من ذا الذي يجرؤ على قتل رئيسنا الحبيب، الذي سيعيش للأبد في مدفن الأبطال، وعظماء الأمة الخالدين، أعرف أن لدى الحقير المخزي لحية، وأعمى بعين واحدة. إذا لم تخبروني، خلال عشر دقائق، أين يختبئ، فسوف أحرق بيوتكم كلها، وأختار أي واحد منكم، لا على التعيين، وأقوم بتعذيبه، ثم أطلق عليه النار.
 
  مرت الدقائق العشر، وسط صمت من الرعب، مثل الهدوء الذي يسبق اختراع الكون. ثم أمر الضابط قائد الفرقة جنوده بالبدء بالانتقام. عامل الجنود القرويين بكل خشونة وقسوة، فقد علقوا البعض من أقدامهم وضربوهم، وكانوا يجبرون البعض الآخر على أكل روث البقر الطري…. لكن الرجال لم يبلغوا عن الرجل المطارد. لذلك فقد أحرقوا جميع البيوت في القرية، وقضوا كذلك على المحصول، والفواكه التي هي حصيلة جهد وكد سنة في القرية، وحيث كان الناس نادراً ما يجدون ما يكفي ليأكلوا. ظل القرويون على موقفهم، ولم يعطوا المعلومات التي كان الجنود يسعون إليها. في الحقيقة، كان سبب صمتهم هذا، بسيطاً جداً: لأنهم لا يعرفون أصلاً من نفذ هذه العملية. تصرف الرجل من تلقاء نفسه. أمضى شهوراً وهو يعد ترتيباته، من قراءة، ودراسة، وتخطيط، ثم قام بوضع لحية مستعارة، وغطى عينه اليسرى بشريط أسود مثل قرصان. وقد توصل إلى خطة، تمكنه من أن يخترق القصر المنيع، ويقتل الديكتاتور العظيم؛ وكانت الطريقة التي قام بها بسيطة جداً، فقد أقسم ووعد نفسه على أنه لن يكشف عنها، حتى لو كان ذلك تحت التعذيب، لأنه يمكن أن يستخدمها مرة ثانية. وبالتالي، بدا مندهشاً لرؤية الجنود في البلدة. لكن هل حقيقة أنهم اكتشفوا هويته، أم أنهم كانوا يراوغون فقط؟ من الواضح، أنهم لا يعرفون من يمكن أن يكون، وهو واقف هناك أمامهم، بين رفاقه القرويين، والذين يجهلون كلياً ماذا فعل. كان واقفاً هناك، بذقن محلوقة نظيفة، وبعينيه الاثنتين، منتظراً ما يمكن أن يحدث بعد ذلك. مازال الضابط القائد المسؤول غاضباً، فوقف مواجهاً ضحاياه الصامتين:
 
  “أعود فأكرر للمرة الأخيرة! إذا لم تخبروني أين يختبىء، ذلك السافل ذو العين الواحدة، ابن الساقطة، الخارج على القانون، والذي قتل رئيسنا مدى الحياة، حبيب الشعب، مؤسس حزبنا، وقائد أمتنا، سأختار واحداً منكم، دون تحديد، وأطلق عليه النار! سأمنحكم خمس دقائق!”
 
  كان محموماً مهتاجاً، ينظر في ساعته الكوارتز. دقيقتان. دقيقة واحدة. ثلاث ثوان.
 
  رجاه رئيس القرية: “نؤكد لكم، أيها القائد، نحن لا نعرفه، ونؤكد لكم أيضاً أنه ليس في قريتنا”.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصــــــــــــــــة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر