لكنما انا مجبول علي الاجنحة ايتها العربة
كتبهاamir elbasher ، في 28 آذار 2007 الساعة: 19:06 م
لا أعرف القيادة؛ أعني قيادة السيارة، لا القيادة السياسية التي، لم، ولن، تخطر لي على بالٍ أبدا. وليس هذا بسببٍ من افتقاري إلى مهارات هذه الاخيرة ، كما هوالشأن مع الاولى، وإنما لأن بي مسٌّ من العشب والمطر والعصافير. وصمني احد السياسيين، من الملهوفين على القيادة، والمتهافتين على القادة، بأن "لا واقعيتي" تضر بالعمل السياسي لأنني وثيق الصلة بالخيال. النتيجة، على عكس المقدمة، صحيحة. فذلك السياسي كان، ومايزال، فقير الرؤية، عقيم الرؤيا، بسبب عطالته من الخيال. أما بالنسبة لي، فإن الذي يجعل صلتي أوثق بالواقع إنما هو الخيال. أما القيادة الثقافية(الرشيدة؟!) لدينا، فانني أُفَضِّلُ إرجاء الحديث عنها إلى مناسبة أخرى . ذلك أن الحديث عنها لن ينجو من الخوض والإستطراد اللّذين من المرجَّح أن يُجرِّدا هذه الكتابة من مرحها المرجو. كما أن بي حرصاً مبدئياً على الاّ يضيع الكلام عن قيادة السيارة بين الرِّجْليْن، مع أنّها-السيارة – ياطالما أضاعت (وتُضَيِّع وستُضَيِّع) من الأرجل وأعضاء أخرى ما لا يمكن إحصاؤه.
حَسَنٌ، اذن، فلنعد إلى فاتحة فقرتنا السابقة، بالتحدث عن قيادة السيارة. و صيغةُ الجمع (التى استهلينا بها هذه الفقرة) ليس القصد منها التفخيم (ظاهرياً على الاقل)، وإنما جاءت بسببٍ من طموحٍ ذاتيٍّ إلى أن اصير الناطق الرسميّ (= القائد الرسمي) لإتحاد العازفين والعازفات عن تعلُّم قيادة السيارة. وهو إتحاد يمنح - من فرط مرونته- عضوية للتائبين والتائبات، لأسبابٍ مبدئيّة، لا إجرائية، كالعُسْر المالي، مثلاً. أحد المُتَوَقّعِ توبتهم هوعبدالرحمن حسن،الذي هو في غاية الإستغراب(وربما الإحتجاج)عن السبب الذي يجعل شرطة مرور مدينة ملبورن تغضُّ الطرف عن مصادرة سيارته وجرِّها إلى حظيرة السيارات الميتة. لكنّ عبدالرحمن لا يعرفُ عَوَجة"عربته". فالذي أعرفه أنا هو أن شرطة المرور لم تغض الطرف عن"سيارته" قط؛ غير أنها -الشرطة- تعاني من بلبلة سببُها ضياع هوية "عربته" ؛ فلا هي تشبَّثت بأصلها كسيارة ولا هي آلت نهائياً إلى شخصية الكارو.على أن السبب الرئيس الذي من شأنه أن يجعل عبدالرحمن يفكر في إتخاذ قرار التوبة لا يكمن في التلتلة التي تسبّبها له "سيارته"، وإنما في أنها حرمته من غنائية مشاوير القدمين، مخاصرات العاشق ومناشدات الحدائق. و من ميزات إتحادنا هو أنه يمنح عضوية شرفية - بالغة الاستثناء- لعدد قليل من قادة الدراجات النارية، لا سيما أولئك الموقعين على بيان الطلاقة، أي الذاهبين إلى ما فاتهم، كما عبرت عنهم إحدى قصائد سليم بركات، وكما تجلّت أيضاً في ممارسةٍ عاطفيةٍ -اجتماعيةٍ- ثقافيةٍ، مارقةٍ و فارقةٍ، لعبداللطيف علي الفكي و مريم محمد الطيب.
حَسَنٌ، إذنْ، فلنعد إلى فاتحة تينك الفقرتين. ولكن لِمَ العجلة؟ فلأبدأ بالعجلة، أي الدراجة الهوائية. فليس من المستبعد أن تكون قصتها معي، التي حدثت في زمنٍ أبجديٍّ، قد كبرت معي (أو في رأسي) إلى أن صارت قصة سيارة.
شأني شأنُ أغلب-إن لم يكن كل- ربيبي الحواري الأُمْدرمانية، تعلَّمت قيادة الدراجة الهوائية خلال السنوات الباكرة لصباي. وفي لحظةٍ ما من لحظات زعمي بأنني امتلكت ناصية قيادتها، استأجرت واحدة، انطلقت بها نحو شارع مسفلت، يملؤني مزيج من النشوة، الزهو والفلهمة، التي سرعان ما اكتشفت بأنها عوراء عندما دهستني عربة كارو. إنّه التفرد طبعا. فالناس العاديون فقط هم الذين يتعرضون يومياً لحوادث مع عربات غيرمُفْتَعَلَة، سواء دهستهم عربة حقيقية أو صدموها هم أو جابت خبرهم بالإنقلاب، مثلما هو حالنا منذ عبود. أحد زملاء دراسة عابرة بثانوية أم ضواَ بان الزراعية كان يتمتع بعلامتين فارقتين: كثرة الهضربة، وفك أعلى بسِنَّةٍ أماميةٍ مكسورة. وعندما سألته عن سبب ذلك، أعني فقدانه نصف إحدى سِنّتَيه، لا عقله، أجابني بلهوجةٍ معهودة: "كنا مسافرين من الخرطوم لمدني، وفي الطريق إنْعَرَبَتْ بينا القَلَبَيَّة". لم يحدث شيئا من ذلك لا لأسناني ولا للساني. بيد أن ثمة شيئا حدث لرأسي ، بالمعنى غير المجازي للكلمة، بعكس ما حدثَ لرأس الزميل العابر. فبعد أن أعانني بعض الذين شاهدوا الحادث على النهوض و التماسك و نفض ما علق بي من غبارٍ وأشياءٍ أُخرى أرغب في تذكرها بإعتبارها برسيماً وليس شيئا آخر يخص الحصان، نبَّهني أحدهم إلى صُوَيِْلعَةٍ، أي زلطةٍ، أتت على جزءٍ من شعر رأسي. ومن الغريب أنّه لم يكن بها أثرٌ لجرحٍ أو دمٍ. ألا يؤكد ذلك تميُّز جياد ذلك الزمان عن الكثير من حلاقيّ اليوم، وليس حلاّقَات اليوم، اللائي تقف على رأسهنّ- ورأسي أحيانا- إسْتيلاَّ ، حلاَّقتي المنحدرة من أصلٍ يوناني، التي بإمكانك إيداعها رأسك، غير المجازية، والمجازية إن شئت، بإطمئنان بالغ. فهي لا تتركك وأنت في شك،إذ تنظر في المرآة، فيما إذا كانت هذه الرأس تنتمي إليك أم إلى مخلوق آخر، كالخروف، كما يفعل الكثير من الحلاقين والقليل من الحلاّقات، وإنما تنقص من عمرك بضعة أعوام. ومن المؤسف أن المرء لا يتمكن من حلاقة رأسه يوميا. ولست متأكدا فيما إذا كان من اللائق أن أطرح عليها فكرة الحلاقة بالقطَّاعي. ولا تكمن البراعة والرشاقة فى أنامل إسْتيلاَّ فحسب، وإنما في فمها ايضا. فهى حَكَّآءة، وليست ثرثارة، كما هي عادة معظم الحلاّقين و الحلاّقات، ممِّا يؤكد على إنحدارها من سلالة الملاحم. ومن الغريب أنها تتذكر أين توقف بنا الحديث عند الحلاقة الاخيرة. حتّى أن بإمكان المرء أن يتخيلها تبدأ حكاياتها هكذا: "… فقد بلغني أيها الزبون السعيد، ذو الرأس السديد ….". يعني درويش ولاقى مَدَّاحَه. كل شيء لديها يتحول إلى حكاية: سيارتها الميتسوبيشي- لانْسَرْ، برنامج تلفزيوني، حدث رياضي، أحوال الطقس، خبر في صحيفة، أنواع القهوة.. الخ .. ذات مصادفة- لم أفتعلها كما يفعل عادل عبدالرحمن- إلتقيت إسْتيلاَّ في مقهى إيطالي. كانت وحدها وكنت وحدي. جلسنا نتجاذب أطراف القهوة ونشرب الحديث. بعد أن تكلمنا عن القهوة الإيطالية، اليونانية، التركية والعربية، سألتني كيف قضيت عطلة نهاية الاسبوع. أجبتها بأنني شاهدت فيلم "طروادة" للمرة الثانية. كانت تلك مناسبة لينحصر الجزء الاخير من حديثنا عن اليونان. حيث اكتشفت انني أتمتع بمعلوماتٍ لا بأس بها عن اليونان القديم وبعض اليونان المعاصر. حتى انها أقرّتْ بأنها هي، اليونانية، الكريتية و النصف قبرصية، لا تملك جُلّ ما أُلمّ به. قالت لي، قبيل أن تودعني، بأنها ستخبرامّها ( وليس والدها أو صديقها لحسن الحظ) بأنها قد تعرفت على يوناني أسود. فقلت في نفسي: بوسع المرء أن يصول ويجول هنا في غياب سيداحمد بلال. ولإستيلاَّ خصائص وميزات جمالية أُخرى بالغة الفرادة والإبهار؛ غير أنني لن أتحدث عنها لعدة اسباب، أولها: أخاف أن يثير ذلك حفيظة زوجتي. ثانيها: أخشى أن يتهمني السر السيد بأنني السبب في قلبِ نظرياته الجمالية رأسا على عقب. ثالثها: لست مهيئاً لإستقبال مكالمات عادل عبدالرحمن الهاتفية التي تستغرق المكالمة الواحدة منها خمسة وعشرين ساعة من كل اربعة وعشرين ساعة. رابعها: أن شعر رأسي قد طال إلى نحو أحد عشر مليمتراً. وهو أمرٌ لا يمكن الصّبرُ عليه. فهو لا يُمكّنني من مواصلة الكتابةِ على نحوٍ مريح. فلا مناص إذن من إنهاء هذه الكتابة بإكمال الجزء الأول- غير الاساسي طبعا - من هذه الفقرة. فالرجل الذى لفت انتباهي إلى صويلعتي قال لي مقترحا: "حقو تلبس طاقية عشان ما يقول ليك الناس يا ابكوكا". على أن آخر أضاف كمن يهوِّن عليّ الامر: " حتى لو الناس اكتشفوها، وقالوا ليك يا ابكوكا، فدا برضو أحسن مما تخليهم يبكوكا". ولقد فهمت تضمينه الخبيث بعد عدة سنوات. " ياولدي احمِد الله على أنها كانت كارو". هكذا أضاف ثالث بحكمةٍ وهو يساعدني على الإمساك بالدراجة و تبَيُّن الطريق إلى منزلنا. على أن آخر تعليق سمعته وأنا أبتعد مجرجراً الدراجة كان: "والله العظيم يا اخوانا دي أول مرة أشوف فيها حصان يركب انسان". ولو التقيت من قال ذلك التعليق اليوم، لقلت له إنّها الفرادة. ولكي تظل هكذا فعلاً، حرصت على أن يكون ذلك آخر عهد بالدراجة. فما من داع للعجلة.
فهل لذلك الحادث علاقة بألاّ أشغل بالي بمسألة تعلُّم قيادة السيارة، رغم اهميتها العملية في بلد كأستراليا؟ وما أعنيه بكلمة العملية هنا قليل الصلة بالفكرة النموذجية التي تعدِّد وتثمن ميزات إمتلاك وسيلة مواصلات مستقلة، تكون في متناول اليد، والقدم طبعا، في أيّما وقت؛ وإنما لكونها أحد العناصر الرئيسة، بل الحاسمة غالباً، فيما يختص بالحصول على عمل في بلدان سارت على خطاها استراليا. حكمة الله! الحصول على عمل في السودان قد يتسبب لك في سيارة، سواء كان ذلك بمثابة ميزة من المؤسسة التي تعمل بها أو من الراتب الذي تتلقاه منها أو من الاثنتين معا. أما في استراليا، فإمتلاكك سيارة يضمن لك تَوَفُّركَ على عمل. بعثت إليّ إحدى مدرساتي السابقات برسالة طيّها تفاصيل وظيفة معروضة من قبل إحدى منظمات العمل الاجتماعي. ولقد بلغ حماس وحرص مدرستي درجة أنّها هاتفتني لتحثني على الإسراع بالتقدم لتلك الوظيفة، لا سيما وأن الوظيفة ذات علاقة وثيقة بكورس العلوم الاجتماعية الذي أتلقاه. فهاتفتُ تلك المنظمة سعياً وراء مزيد من التفاصيل. وبعد أن أجابت الموظفة على عدد من أسئلتي واستفساراتي بصبرٍ و تمهُّلٍ سائدين، سألتني بإبتسامة مسموعةٍ:
-هل ثمة شيء آخر يمكنني فعله لاجلك؟
- لا ، شكراً، فما تفضلت به كافٍ ووافٍ للغاية. ومعذرة ان أخذت الكثير من وقتك.
- لا حاجة بك للإعتذار. فهذه المنظمة تدفع لي راتباً لقاء هذا. على كل، إن إستجدت لديك اية اسئلة أو إستفساراتٍ أُخرى، الآن او فيما بعد، فلا تتردد في طرحها عليّ.
- شكراً جزيلاً. وانتِ هل لديك ما تنصحينني به ؟
- أرى أن كل المعلومات التي وفَّرتها لي اساسية و مرغوبة في الشخص الذي يشغل مثل هذه الوظيفة. لذا، أتمنى لك حظا موفقا. ولكن مهلاً، نسيت أن أسألك فيما إذا كنت تمتلك رخصة قيادة.
- سيدتي، إنني لا أعرف القيادة حتّى.
- أما وقد سألتني النصيحة، فأرى أنّ من الخير لك ألاّ تضيّع وقتك في التقدم لهذه الوظيفة.
و لم يكن ثمة بدٍّ من شكرها و إتِّباع نصيحتها، التي أفَدت منها أيَّما فائدة عندما تقدمت إلى وظيفة أخرى مشابهة، التي يمكن ترجمتها، بدقةٍ جامعةٍ مانعةٍ، إلى العربية هكذا:" قائد إجتماعي"، و ليس "مرشد إجتماعي" كما تفعل الترجمات المتحذلقة. و دليلي على صحة ترجمتي أن كلمة "قائد" الإنجليزية Guide هى عربية الاصل . فالقاف المتوفرة في كثير من اللّهجات الدارجة في السودان، العراق، الكويت، السعودية، الأمارات العربية، اليمن، البحرين، قطر، سلطنة عمان والريف المصري تُنْطَقُ كما تنطق في الإنجليزية. والألف هو هو في جميع اللهجات العربية، فصحى أو عامية. والهمزة على نبرة خفَّفتها دارجاتنا العربية وعُجْمَة الإنجليز إلى ياء، والدال هي هي في جميع اللهجات العربية، فصحى أو عامية. فالمُسْتَعْمِر لم ينهب ثرواتنا المادية فحسب، وإنما اللغوية ايضا. حتى أنني متيقن من ان كلمة "شكسبير" هي في الأصل "شيخ الزبير"!
حَسَنٌ، إذن، فلنعد إلى فاتحة الفقرة السابقة. فالنصيحة المُبْتَسِمَة لتلك الموظفة هي التي جعلتني أتيقن من خلوّ متطلبات وظيفة القائد الاجتماعي من شرط رخصة القيادة. وبالفعل إجتزت 99% من إختبار المعاينة. و مع ذلك، لم احصل على الوظيفة لأنني فشلت في إجتياز بقية الاختبار، أي الــ 1% الذي كان عبارة عن تعيين بعض المواقع والشوارع في إحدى خرائط دليل المواقع والشوارع. فلو كنت اعرف القيادة، لتكمنت من تجاوز ذلك الجُزَيئ من الإختبار. ولو كنت اعرف القيادة لما تعرضت لحادث السير الذي كاد أن يجعل من مثل هذه الكتابة، وكتاباتٍ وحلاقاتٍ أخرى قادمة، شيئاً في عِداد المستحيل. فقبل أكثر من عام، كنت مسرعاً أحاول عبور شارعٍ يقع في تقاطعٍ مربكٍ(لي أنا فقط طبعاً). وبالرغم من أن علامة مرور المشاة كانت حمراء، الا أن الذي أغراني بالتعجل في العبور أن جميع السيارات التي وقع بصري عليها كانت واقفة بالتقابل، دون أن أنتبه بأن وقوف بعض السيارات بالتقابل لا يعني بالضرورة توقف السيارات القادمة من الإتجاهالت الموازية. فكان أن دهستني إحداهنّ(السيارة، لا المرأة، وإن سبق أن تعرضت لحادثٍ مماثلٍ ذات إمرأة). ولم أشعر بنفسي إلا وقد طرتُ بضعة أمتار في الهواء وعدت صادماً برأسي زجاج واجهة العربة التي كانت تحاول التوقف. فإنبعج الزجاج، وطرت بضعة أمتار أخرى إلى الأمام وقد حرصت على السقوط على الأرض على يديّ. ولعل تلك هي الفائدة الوحيدة الملموسة للتدريب العسكري الذي تلقيته في إحدى معسكرات الجيش الشعبي لتحرير السودان. فهرع إليّ سائق العربة وإمراة كانت تقف على الرصيف. فقلت لهما انني بخير، ثم اعتذرت للسائق لكوني أنا المخطئ. غير أن السائق طلب إليّ أن اسمح له بإستدعاء الشرطة والإسعاف. فقلت له ما من داعٍ لذلك، حيث كررت له أنني بخير، وأن ذلك كان خطئ أنا. لكن السائق ألحّ على استدعاء الشرطة والإسعاف، وكذلك المرأة، التي نبَّهتني إلى أن شعوري بأنني بخير الآن قد لا يعني أن لا أشعر بعكس ذلك فيما بعد. وبعد زهاء عشر دقائق، جاءت سيارتا الشرطة والإسعاف، لتحملني الأخيرة إلى أقرب مستشفى، حيث تم التأكد من أنني لم أصب بأذى. عقب عودتي إلى منزلي بدقائقٍ قليلة، هاتفني سأئق العربة ليطمئن على صحتي،لاسيما صحة رأسي:
- هل أكدوا لك أن راسك لم يصب باذى؟
- نعم، لم يصب بأي أذىً. وماذا بشأن زجاج واجهة سيارتك؟
- هذه ليست مشكلة يا صاح. فشركة التأمين كفيلة بتغييره. المشكلة هي أنني
قلقٌ بشأن راسك.
- تأكد أنه بخير. أشكر لك اهتمامك.
- يا يسوع! لم أرى في حياتي رأساً بمثل قوة رأسك يا صاح!
- لكنه مرنٌ للغاية يا صاح!
وبعد مضي اسبوع على ذلك الحادث، تلقيت خطاباً تقول كتابةٌ على ركنه الأيسر الأعلى أنه صادرٌ من شرطة ولاية فكتوريا. فنهشني التساؤل والقلق لكوني أحرص الناس على أن لا يكون لي أي تماسٍ مع الشرطة. طمأنتُ نفسي وأنا أهمّ بفضِ الخطاب قائلاً: يبدوا أن والي الولاية قد قرر، أخيرا، أن يدفع لي الجزية. غير أن المفاجأة كانت هي أن الخطاب يطالبني بدفع مبلغ ستين دولاراً لعبوري الشارع من طريق الخطأ.
كل ذلك لم يشكل حافزاً لي لأتعلم قيادة السيارة. ومن الأشياء التي تبعدني عن ذلك شعوري بأن السيارة كائن متعجرف، علاوة على إعتقادي أنها ستحرمني من متعة التأمل ومحاورة الموجودات أثناء المشي أو لدى استقلال وسيلة مواصلات عامة كالبص، المترو أو القطار. فهل من الممكن، مثلاً، أن تراودني فكرة كتابة قصة فيما يداي مكنكشتين في عجلة القيادة، عنقي متوتر، عيناي مشدودتين الى الأمام وإحدى قدميّ على أهبة الفرامل؟!
على أن جهلي بالقيادة وحرماني، غير المأسوف عليه، من بعض فوائدها لم يجردني من متعة التأمل في السيارات، كما أنني لست بالغ الجهل بأنواعها. فمثلاً كنت، وما أزال، أرى أن السيارات الروسية، المنتجة في عهد الإتحاد السوفييتي، كالفولقا والمسكوفيتش، كانت سياراتٍ واقعية اشتراكية(حيث الرهان على المضمون). بل أُؤمن بأن سيارةً"ثوريةً" كالفولقا ما كان بوسعها أن تتجنب مصير اللوري. وأعتقد أن البؤس الملموس في سيارة نصر المصرية إنما هو نتيجة أن مثلها الأعلى هو الفيات الإيطالية. أرى أيضاً أن وسامة السيارات اليابانية، كالهيونداي، الهوندا، اللَكْزَس، المازدا، التويوتا، النيسان والميتسوبيشي، هي التي أرغمت بعض شركات السيارات الغربية، كالفورد،الفولكسفاقن، الجيب واللاندروفر، على إيلاء الشكل عناية قصوى. بل أعتقد أن طلاقة السيارات اليابانية قد أجبرت سيارة غربية ذات هيبة إجتماعية عريقة، كالمرسيدس، على التخلي عن بعض رصانتها. فبعض الموديلات الحديثة من المرسيدس يتمتع بنزقٍ شكليٍّ بيِّن.
أخيراً، مازلت متفائلاً بأنني سأجد عملاًٍ، رغم أنف السيارة. والذي يطمئنني أن يحي فضل الله، الذي يتمتع بنفورٍ أصيلٍ من فكرة إمتلاك سيارة، فيما عدا عربة اسمها الرغبة، قد وجد عملاً يليق بمزاجه الإجتماعي والمسرحي، دون أن يُضّطَرَّ للدخول في شخصية متأففة.
سأحصل على عمل. ولست يائساً قطُّ أيّتها السيارة. فلقد شربتُ لبن الطير.
سيحالفني التوفيق، إذن، مثلما حالفني التحليق.
المصدر /SUDAN-FORALL عادل القصاص
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصــــــــــــــــة | السمات:قصــــــــــــــــة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























