إريك فروم
ترجمة : محمد سبيلا
إن الاختيار بين التملك والكينونة، من حيث هما مدلولان متعارضان، لايثير لدى الحس المشترك أي انتباه. ويبدو أن التملك وظيفة عادية لحياتنا، فمن أجل أن يحيا المرء، عليه أن يتملك بعض الأشياء. ومن ناحية أخرى، يجب علينا تملك بعض الأشياء بغية الحصول على لذة من هـذا التملك. في حضارة يعتبر هدفها الأسمى التملك ـ والتملك أكثر فأكثر ـ وحيث يمكن فيها أن نقول عن فرد من الأفراد بأنه يساوي مليون دولار، فكيف يمكن أن يكون هناك اختيار بين التملك والكينونة ؟ وبالعكس فإنه يبدو أن التملك هو جوهر الكيـنونة ؛ والذي لا يملك شيئـا لا يساوي شيئا.
ومع ذلك فإن معلمي الحياة الكبار قد جعلوا من الثنائية التملك أو الكينونة الموضوع الرئيسي لمذاهبهم. يعلمنا بوذا أن علينا ـ من أجل أن نقدر على التوصل إلى مستوى رفيع في التطور الإنساني ـ ألا نترك شهوة التملك تستولي علينا. يقول المسيح : من يود إنقاذ حياته سيفقدها، لكن الذي سيفقدها بسبـبي سينقذها.
وقد كان إيكهارت Eckhartيعلم الناس بأن الطريق الوحيد للتوصل إلى الثراء والقوة الروحيين هو ألا يملك المرء شيئا وأن يجعل ذاته مفتوحة و فارغة. وقد علم ماركس بأن الرفاه رذيلة مثله في ذلك مثل الفقر، وأن علينا أن نجعل هدفنا هو أن نكون أحسن لا أن نمتلك أكثـر. (أنا أشير هنا إلى ماركس الحقيقي ذي النـزعة الإنسانية الجذرية لا إلى الصورة التي تقدمها الشيوعية السوفياتية للجماهير).
لقد تأثرت غاية التأثر، لعدة سنوات، بهذا التمييز وحاولت أن أبحث عن أساسه التجريبي في دراسة عينية للأفراد والمجموعات من خلال منهج التحليل النفسي. وما اكتشفته قادني إلى الاستنتاج بأن هذا التمييز، مثلـه في ذلك التمييز بين حب الحياة وحب ما هو ميت، يمثل المشكل الأساسي في الوجود ؛ وبأن المعطيات الانتروبولوجية والتحليلية التجريبية تـميل إلى إبراز أن التملك والكينونة نمطان أساسيان للتجربة بحيث أن القوى المناظـرة لكل منهما تـحدد طباع الأفراد ومختلف نماذج الطباع الاجتماعية.
أمثلة مستقاة من تعبيرات شعرية مختلفة :
سأقترح، كمدخل لفهم الفرق بين نمط التملك ونمط الكينونة في الوجود، قصيدتين وضعتا حول موضوع مماثل يوردها المرحوم د. ت. سوزوكي في محاضرات حول الزين (Zen) البوذي. إحداهما من شعر الهايكو كتبها شاعر ياباني هو باشو (1644 ـ 1694) ؛ والأخرى لشاعر انجليزي من القرن التاسع عشر هو تينيسون. كل من الشاعر يحكي تجربة مماثلة : رد فعله تجاه زهرة صادفها خلال نزهته يقول تينيسون :
أيتها الوردة، في الجدار المتصدع،
اقتطفتك ، منتزعة من الشقوق،
واحتفظت بك في بيتي، كاملة، بكل الجذور،
أيتها الوردة الصغيرة، لكن ليتني أفهم،
ما أنت في كليتك، بما في ذلك الجذور،
لأعرف ما الله وما الإنسان.
وترجمة قصيدة باشو هي تقريبا : أمعن النظر مليا وحين
أشاهد النوزونا تتفتح
قرب السياج !
إن الفرق صارخ. إن رد فعل تينيسون أمام الوردة هو الرغبة في تملكها. إنه يقتطفها بجذورها. وفي الوقت الذي ينتهي فيه إلى تأمل فكري حول الوظيفة الممكنة للوردة مما يمكّنه من أن يفهم بعمق طبيعة الله والإنسان فإن الوردة يكون قد قتلها نوع الاهتمام المنصب عليها. يمكن أن نقارن تينيسون ، كما يتبدى لنا في قصيدته، بالعلماء الغربيين الذين يبحثون عن الحقيقة بتشريح الحياة.
أما رد فعل باشو (Basho) أمام الوردة فهو مختلف تماما، فهو لا يود اقتطافها، ولا حتى لمسها. بل يكتفي مبتهجا بإمعان النظر فيها مليا، ليشاهدها. وهاهو تعليق سوزوكي :
من المرجح أن باشو كان يتنـزه في إحدى الطرق في البادية حين لمح شيئا كان من الممكن ألا يلتفت إليه أحد، على حافة السياج. فاقترب منه وأخذ ينظر إليه ، واكتشف أن الأمر لا يتعلق إلا بنبتة بريـة، غير ذات دلالة، وربما كانت مهملة من طرف المارة. تحدثنا القصيدة عن واقعة جد عادية، وذلك دون أن تعبر لنا عن أي إحساس شعري على وجه الخصـوص إلا في المقطعين الأخيرين اللذين يقرآن باليابانية على شكل Kana وهي لفظة ترتبط في الغالب باسم أو نعت أو ظرف وتعبر عن نوع من الشعور بالإعجاب أو التقدير أو الإلمام أو الفرح، ويمكن أن يكون مقابلا لنقطة التعجب في بعض اللغات الغربية. والبيت الأخير، الوارد في قصيدة الهايكو، التي هي أمامنا، ينتهي بـهذه العلامة.
يبدو أن تينيسون يرغب في تملك الوردة ليستطيع أن يفهم الإنسان والطبيعة، وبامتلاكها وحيازتـها، فإنه يحطمها. أما باشو فيريد أن يشاهـد الوردة لا مجرد مشاهدة بل ليتحد بـها مع إبقائها حية. والفرق بين Tennyson و Basho تعبر عنه قصيدة غوته التالية تعبيرا جيدا :
كشف
كنت أتـنـزه في الغابة
وحيدا،
دون أن أتابع شيئا
بالفكر.
ولمحت بغتة في الظل
وردة صغيرة مستقيمة القوام،
لامعة كالنجوم
شبيهة بعينين جميلتين.
داهمتني رغبة في اقتطافها
لكنها قالت لي برفق :
أ فمن أجل أن تصيب
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |